الفصل 1/7   الفصل 2/7   الفصل 3/7   الفصل 4/7   الفصل 5/7
 الفصل 5/7   الفصل 7/7

كيبيك تبحث عن العيش المشترك (6)

الدكتور حبيب زعرور... | Daniel Amar ... | حسان الجمالي...


وماذا بعد المداولات؟
هل سيصلح "التقرير" ما أفسدته
"التوافقات"؟
- ملف من إعداد الدكتور حبيب زعرور -
 

انتهت مع بداية شهر ديسمبر الحالي الأعمال والمداولات الشعبية العامة للجنة التوافقات المعقولة التي استمعت الى آخر المداخلات من قبل الجمهور في مدينة مونتريال حيث نوقشت العشرات من المذكرات المقدمة أمام اللجنة. وتستمع هذا الأسبوع للمذكرات التي ستتقدم بها الأحزاب السياسية والنقابات والمجالس المهنية والمنظمات الشعبية والى التوصيات لما تراه تلك الجماعات ضرورياً من أجل الحفاظ على التعددية الثقافية للمجتمع الكيبيكي وعلى قيم المقاطعة وهويتها الوطنية. وفي مونتريال حيث كان مسك الختام، شهدت أعمال اللجنة بعضاً من مظاهر الشغب والاحتجاج، أدت الى تدخل عناصر من الأمن لمنع بعض من المواطنين من دخول قاعات الجلسات التي اغتصت في كل جلسة بأكثر من مائتي شخص وهو أكبر معدل حضور بين المناطق الأخرى في المقاطعة. وقد وصفت وسائل الاعلام الكم الهائل من المذكرات والمداخلات والتوصيات المقدمة أمام اللجنة بالسيل " الجارف ".


ومع ختام جلسات الاستماع والمداولات العلنية، تبدأ المهمة الرسمية الدقيقة للسيدين جيرار بوشار وشارل تايلور والتي تقضي باعداد تقرير مفصل عن أعمال اللجنة من المفترض أن يتم رفعه الى مجلس الوزراء في كيبيك خلال شهر مارس من العام المقبل.
الذي يعرف خفايا السياسة المحلية في مقاطعة كيبيك يعرف جيداً أن شهر مارس هو عادة شهر حساس جداً ومصيري، سيما وأن الحكومة الحالية هي حكومة أقلية، وقد يكون موعد تقديم ميزانيتها في الربيع المقبل هو ساعة الصفر المحددة من قبل خصومها للانقضاض عليها والمطالبة برحيلها من خلال سحب الثقة، وهذا أمر يتوقعه رئيس الوزراء الذي دعا لعقد المؤتمر العام لأعضاء الحزب في الأيام الأخيرة من شهر مارس في مدينة كيبيك العاصمة، وذلك حشداً للقوى الجماهيرية وراء الحزب تحسباً للهجمة المقبلة للمعارضة أو ربما للضربة القاضية التي ستطيح بالحكومة والحزب الليبرالي في كيبيك.
تلك الحقائق تقودنا الى التساؤل حول مضمون وشكل التقرير الذي سيعمد الى تقديمه السيدين بوشار وتايلور للحكومة، في هذا التوقيت الحرج، وحول موقف الحكومة والمعارضة معاً من فحوى التقرير وما اذا كان سيحظى بالمناقشة التي يستحق أم أنه سيوضع على الرف مؤقتاً بانتظار مرور عاصفة التصويت على الموازنة العامة على خير، وريثما تنجلي السحب التي تلبد الأجواء السياسية في كيبيك والتي ستقرر مصير حكومة الأحرار.
تقرير مصيري يتعلق برؤية شاملة للمجتمع وللهوية الوطنية للمقاطعة، يتم اعداده في فترة صعبة تحكم المقاطعة فيها حكومة أقلية، تقف على كف عفريتي المعارضة، ماريو ديمون وبولين ماروا... فماذا عسانا نتوقع من هكذا تقرير.
هل سيراعى الأستاذان الكبيران حساسية الموقف في صياغة تقريرهما، أم ربما سيراعيان ذلك بطلب تأجيل موعد رفع التقرير الى ما بعد معرفة مصير الحكومة الحالية. وهل تقرير لجنة أخترعها وفبركها على عجل رئيس حزب الأحرار لمواجهة خصم لدود، سيجدي نفعاً فيما اذا قفز الى الحكم أي من حزبي المعارضة الحالية وبات الأحرار في المعارضة؟؟ تساؤلات واعتبارات سياسية بحتة قد تشكل عائقاً كبيراً في وجه صدقية وجدوى التقرير المتوقع عن أعمال لجنة شغلت الرأى العام الشعبي في كيبيك طيلة شهور أربع، وشكلت منعطفاً بارزاً في النظرة الحالية والمستقبلية للتركيبة الاجتماعية والطائفية لمقاطعة كيبيك الكندية.
نترك تلك الاشكاليات السياسية المحلية للمقاطعة للأيام المقبلة التي ستقرر حسب طريقة الأداء الحكومي، مصير تلك الحكومة ومصير تقرير لجنة التوافقات المعقولة أيضاً، ونعود الى بعض الاستنتاجات التي خلصنا اليها بعد أربعة شهور من المداولات اتصف بعضها بالحامية والأخر بالعادية ومعظمها بالمجاملة وتنسيق الكلام.

فراغ اجتماعي وفقدان الهوية

أظهرت المداولات أن مقاطعة كيبيك تعاني من فراغ اجتماعي كبير، فقدت معه المقاطعة هويتها الوطنية، السياسية والاخلاقية. الأولى بانضمامها الى الاتحاد الكندي وبانقسام أهلها بين موال للاتحاد ومطالب بالانفصال، والثانية بعد الثورة الهادئة في الستينات من القرن الماضي، عندما قررت اعتماد العلمانية أساساً للعلاقة بين الكنيسة والحكم، أو أساساً للعلاقة بين الدين والدولة. وما أظهرته المداولات أن السايسة لم تبتعد عن الدين فحسب، بل أن عموم الشعب قد فهم العلمانية خطأً بأنها الابتعاد الكلي عن الدين، ففقدت المقاطعة هويتها الدينية المسيحية، وأصبحت ترى في تمسك الوافدين من المهاجرين اليها بدياناتهم، تناقضاً كبيراً مع ما يسميه البعض القيم الكيبيكية، والتي تبين للجميع أن تلك القيم قد تم فهمها بشكل مغلوط فهي ليست التخلي عن الدين بل الفصل بين الدين والدولة، وقد أعاد هذا الأمر العديد من الكيبيكين الأصلين الى مرحلة البحث عن الذات، الذات الدينية والذات الوطنية. ولا أعتقد هنا أن تقرير اللجنة سيكون قادراً على التعبير الصادق عن تلك الحقائق التي تفجرت نتيجة أعمال اللجنة.

الاســلام ليس المشكلة

تبين للكثيرين عدم صحة المقولة التي كانت سائدة، أن الاسلام هو أصل المشكلة وأن تصرفات المسلمين هي السبب المباشر في زعزعة استقرار المجتمع، فقد أظهرت المداولات أن هناك ما هو أشد فتكاً بالمجتمع، لا سيما مثلاً مشاكل العمل والبطالة واللغة والانتماء الديني.

أهمية التعددية الثقافية

أكدت المداولات حقيقة التعددية الثقافية للمجتمع الكيبيكي، وتفاوتت الآراء حول ضرورة تعميق تلك التعددية والحرص على اظهارها واثرائها، وبين تفضيل عدم ابرازها لصالح الاندماج التام للمهاجرين الجدد في المجتمع والتمتع بعاداته وتقاليده. ويؤكد الحزب الليبرالي في مذكرته تلك الصفة التعددية، التي يعتبرها من ميزات المجتمع الكيبيكي وأحد أسباب نجاحه وتميزه ضمن الاتحاد الكندي.

الدين والممارسات الدينية

برزت مشكلة الدين والممارسات الدينية، كعامل تفرقة بين الكيبيكيين سكان البلاد الأصليين، فقد رفض معظمهم العودة الى مجتمع تسود فيه القيم والعادات الدينية، بينما أصر البعض على ضرورة العودة الى جذور الدين المسيحي الكاثوليكي كملجأ يحمي الأجيال القادمة من مخاطر ”الغزو الارهابي“ الوافد مع المهاجرين من البلاد الاسلامية الذين يحملون معهم قيم ديانتهم ويرغبون فرضها على المجتمع. كما تباينت الآراء حول ما اذا كانت الممارسة الدينية أمر شخصي يرتبط بالعلاقة مع الخالق، أم أن الممارسة هي ظاهرة اجتماعية يجب المحافظة عليها وتكريسها.

اللغة الفرنسية

ظلت اللغة الفرنسية طيلة المداولات محوراً رئيساً اتفق عليه معظم المتحدثين ورأوا فيها تأكيداً لدور اللغة في تعميق قيم المجتمع وتوثيق الصلة بين أبنائه. وطالبت المداخلات كلها بوجوب توفير التسهيلات اللازمة للمهاجرين لتعلم اللغة الفرنسية، كما طالبت بوجوب فرض ضوابط على المهاجرين تلزمهم بتعلم الفرنسية كشرط لحصولهم على تأشيرة الهجرة الى كيبيك. وأثناء مداولات اللجنة، تقدمت السيدة بولين ماروا زعيمة الحزب الكيبيكي الانفصالي بمشروع قانون الى الجمعية الوطنية (البرلمان) يفرض اتقان اللغة الفرنسية كشرط مسبق لمنح حق الانتخاب أو الترشح لشغل منصب سياسي في المقاطعة.

العمل والبطالة ومعادلة الكفاءات

طالبت عشرات المنظمات والمؤسسات في مداخلاتها بضرورة العمل فوراً على تسهيل عملية معادلة الشهادات العلمية الممنوحة في الخارج ومعادلة الخبرات المكتسبة خارج كيبيك، مما يساعد الوافدين على الاندماج بالمجتمع من خلال الحصول السريع على فرص عمل مناسبة تساعدهم على معرفة سوق العمل المحلية كما تساهم في استفادة المجتمع من تلك الخبرات. كما طالبت بعض المنظمات بضرورة توعية الشركات والجهات الراغبة بتوظيف عمالتها من أجل الاستفادة من خبرات الوافدين الجدد وتعيين أكبر عدد ممكن منهم في الفرص الجديدة المتوفرة.

العلمانية: فصل الدين عن الدولة أم التخلي عن الدين؟

ظهر تباين واضح في فهم المجتمع الكيبيكي لحقيقة العلمانية المعمول بها كأساس للعلاقة بين الدولة والمواطن، كما في كافة تعاملات الدولة. البعض رأى في العلمانية عدم تدخل الكنيسة في سلطة الحكومة، وآخرون رأوا في نفي كامل لأي مظهر من المظاهر الدينية في المرافق والأماكن العامة. ولم تستطع المداخلات العديدة أن تحسم الأمر لصالح أي مفهوم من مفاهيم العلمانية، الا أن الغالبية العظمى من المداخلات أكدت على أن علمانية الدولة لا تعني مطلقاً التخلي عن المبادئ والقيم الدينية، بالرغم من عدم التزام الغالبية العظمى من السكان بتلك المبادئ أو الممارسات الددينية، لا سيما المسيحية منها.

المظاهر الدينية في الأماكن العامة

تميزت مطالبة مذكرة مقدمة من طائفة السيخ الحكومة بنزع كافة العلامات الدينية المميزة مثل الصليب من قاعة الجمعية الوطنية (البرلمان) وقاعات البلدية وكافة المؤسسات العامة وكذلك عدم نصب شجرة عيد الميلاد أمام البلدية وفي الأماكن العامة. واقترحت المذكرة في حال عدم امكانية القيام بذلك بالسماح لكافة الأديان الأخرى باستخدام العلامات الدينية المميزة لهم على قدم المساواة مع المظاهر الدينية المسيحية السائدة. وتتجاهل تلك المطالبة نسبة المسيحيين ( 98% )وغيرهم من الديانات ( 2 % ) الى عدد سكان المقاطعة. كما طالبت مذكرات أخرى منع ارتداء الملابس الدينية المميزة (القبعة اليهودية والحجاب الاسلامي ولفة رأس السيخ والهنود) أو الاشارات الأخرى، من قبل موظفي القطاع العام والعاملين في الحكومة والجهات الرسمية العامة.

المجال التعليمي والمدارس الدينية

طالبت الهيئة التدريسية في مذكرتها أمام اللجنة اعفاء المدارس من واجب تخصيص أماكن للصلاة ومنع المظاهر المميزة دينياً للعاملين في المدارس وكذلك عدم الالتزام بالعطل الاضافية للمناسبات الدينية غير المتعارف عليها في المجال الحكومي والعام. كما طالبت بأفضلية وأحقية التعددية الثقافية المتعارف عليها في كيبيك على مثيلتها المعمول بها في كندا، في حال النظر بطلبات التوافقات الخاصة. وقد طالبت احدى المذكرات بوقف المساعدات عن المدارس التي تستقبل أبناء طوائف دينية محددة دون سواها.

التوافقات المعقولة

طالبت بعض المذكرات تزويد الجهات التي تنظر في الحالات المقدمة لطلبات التوافقات المعقولة، بالتعليمات الواضحة والمحددة وتأهيلهم ليتمكنوا من معرفة الحالات التي سبق رفضها وللحالات التي تعطى أفضلية لمنحها، مما يساعدهم في اتخاذ القرار المناسب والمتوافق مع الحالات الأخرى المعروضة.
وطالبت مذكرة مقدمة من قبل أحد المحامين بالدعوة الى استفتاء عام حول التوافقات المعقولة، كما طالبت باصدار قانون يمنع أي توافقات ذات صفة دينية، وعدم المساس بالشرعة الوطنية لحقوق الانسان أو تعديلها.

مواجهة الاعلام

ضمن الحملة الشديدة من قبل العديد من المتحدثين ضد الصحافة ووسائل الاعلام، التي اعتبرت برأى الكثيرين، أنها وراء تأجيج المشاعر والاستفادة من تضخيم الأحداث لأغراض اعلامية ودعائية بحتة، ذهب البعض الى المطالبة بحق تصحيح مغالطات الصحافة والرد عليها بنفس الوسيلة، ضمن حرية التعبير وحق الرد. جاء ذلك في احدى المذكرات المقدمة أمام اللجنة الأسبوع الماضي.

تدخلات رئيسي اللجنة

تميزت أعمال اللجنة التي امتدت على مدى أربعة شهور، بتدخلات قوية من قبل رئيسي اللجة، لا سيما الفيلسوف جيرار بوشار، الذي اعترض على العديد من المداخلات، وطالب أصحابها بالتوقف عن الكلام، لا سيما تلك المتعلقة بالهجوم على المهاجرين أو على احدى الديانات، أو التي تضمنت معلومات مغلوطة أو غير مؤكدة. وقد أدت تلك التدخلات في بعض الاحيان الى أجواء من الاستنكار والاستهجان من قبل الحضور والاعلام، الذين اتهموا في معظم الأحيان السيد بوشار بمحاولة التأثير على سير المداخلات أو على الآراء الشخصية لأصحابها.

دستور كيبيك

وفي استطلاع للرأي، على هامش أعمال اللجنة، تبين أن غالبية (63%) من الذين تم استطلاعهم، يرغبون في قيام دستـور خاص بمقاطعة كيبيك، يجنبها مشاكل الازدواجية أو التناقض مع الدستور الفدرالي عند تسوية الخلافات ويساهم في تحديد القيم والمبادئ التي يقوم عليها المجتمع في المقاطعة. وسيقدم هذا الاقتراح ضمن مذكرة المستشار السياسي السابق لكل من جاك باريزو ولوسيان بوشار، الأستاذ الجامعي جان فرانسوا ليسي، الذي كان وراء المشروع الذي قدم للجمعية الوطنية قبل فترة من قبل بولين ماروا مطالباً بتحديد الهوية الكيبيكية للمقيمين في المقاطعة.

دعوة الى " إسـلام كيبيكي"

وفي المذكرة التي قدمتها هذا الأسبوع، تدعو منظمة "أسترولاب"، التي سبق لأعضائها أن أثاروا زوبعة "الكابان سوكر" الربيع الماضي، الى تفهم أكبر للعادات والقيم المعمول بها في كيبيك، والى قيام حوار واسع بين كافة التنظيمات والتجمعات الاسلامية في المقاطعة من أجل انتخاب متحدثين رسميين ناطقين بلسان المسلمين في كيبيك بدل الأئمة الذين يعينون أنفسهم بأنفسهم حالياً. كما ستدعو المنظمة التي تضم مختلف المذاهب الاسلامية، والتي تعهدت بمواصلة القيام برحلات الى الكابانا سوكر مع مراعاة مشاعر الغير هذه المرة، ستدعو الى التمسك بالهوية الاسلامية مع قيام اســلام على الطريقة الكيبيكية، أي "إسـلام كيبيكي" ربما تمهيداً لقيام "كيبيك اسلامي" على الطريقة الاسلامية المعتدلة أو الأقل تطرفاً. هذا ما نتركه للآجيال القادمة لتراقبه والحكم عليه.

ردود طائفية معتدلة وعقلانية

ضمن الردود العديدة التي وردتنا والتي حاولنا أن ننصف معظمها، نورد في هذا العدد والعدد القادم والأخير، ردي ممثل لاتجاه اسلامي معتدل، هو الامام الدكتور عزيز الشريبي ولممثل تجمع يهودي معتدل هو السيد دانيال آمار مدير فرع كيبيك لمجلس اليهود الكندي. نورد هذه الردود على الأسئلة التي طرحناها في بداية هذا الملف، كما وردتنا، حرصاً على الأمانة المهنية وتقديراً للآراء التي وردت فيها والتي نعتبرها من الآراء المعتدلة والايجابية التي تساهم في التعرف على الآخر وفي تقريب وجهات النظر المختلفة من أجل حوار صريح وهادف في سبيل قيام مجتمع متماسك، وهذا ما نرجوه للأجيال القادمة من بعدنا.