الفصل 1/7   الفصل 2/7   الفصل 3/7   الفصل 4/7   الفصل 5/7
 الفصل 5/7   الفصل 7/7

كيبيك تبحث عن العيش المشترك (5)

المهمة انتهت... ولم تنته
- ملف من إعداد الدكتور حبيب زعرور -

 

المهمة الموكلة للسيدين جيرار بوشار وشارل تايلور شارفت على نهايتها، فمع الأيام الأولى من شهر ديسمبر المقبل، تكتمل جولة المشاورات التي أجرتها اللجنة مع المواطنين في كيبيك، والتي قادتهم الى معظم أرجاء المقاطعة الكندية المترامية الأطراف.
استمعت اللجنة الى خطابات موتورة، وأخرى معتدلة. خطابات متطرفة غير مسؤولة وأخرى حكيمة وذات جدوى. عبر الجميع عن معتقداتهم وتوجهاتهم. سكان البلاد الأصليون، من هنود وكاثوليك فرنسيين قالوا كلمتهم. وسكان البلاد الجدد من مسلمين، وربما بعض اليهود، قالوا أيضاً كلمتهم. الجميع حاول التعبير عن قناعته على طريقته. البعض هاجم الاسلام واليهود معاً. البعض هاجم الاسلام فقط. كثيرون من أهل البلاد الأصليين دافعوا عن الاسلام كمعتقد ودين، ربما ذهبوا أبعد من أهله الى الدعوة لإعتناقه كدين، بينما ذهب آخرون الى حد المطالبة بعودة تلك الفئة الى البلاد التي جاءت منها، حيث رأت فيها مصدر الخطر الارهابي القادم نحو كيبيك وكندا.


هل ما قيل هو مجرد تعبير عن وجهات نظر أم توجهات مسبقة التحضير؟
مونتريال بيت الداء؟ ماذا سيقول أهلها للجنة؟

كثيرون طالبوا بعودة المجتمع الكيبيكي الى جذوره الدينية الكاثوليكية وإلغاء العلمانية أو التخفيف منها، حيث تحول الحوار الى بحث عن هوية أصلية للمجتمع الكيبيكي، بمعزل عن مهاجرين وافدين اليه من كل أنحاء المعمورة. البعض قال أن المجتمع الكيبيكي المسمى علمانياً، هو أكثر تطرفاً من غيره، داعين الى الغاء كافة المظاهر الدينية على الاطلاق، وذهبوا حتى الى تأييد نزع اشارات الصليب من على قمة جبل مون رويال وقاعات الأماكن العامة، أو ربما تغيير أسماء الشوارع التي تحمل رموزاً دينية، بينما اعتبر كثيرون، وحتى من غير المسيحيين، أن لا مانع من ابقاء تلك الاشارات فهي تشكل مظهراً ورمزاً تراثياً لا أكثر.
الحجاب الاسلامي أخذ حيزاً كبيراً من المناقشات واختلفت حوله الآراء. دافع عنه مؤيدوه وهاجمه خصومه، ولكنه ظل طيلة النقاشات محوراً مثيراً للجدل.
الجميع، أو الاغلبية العظمى، أقرت أن موضوع التوافقات المعقولة قد جرى تضخيمه كثيراً وأنه لا يستحق كل هذه الضجة التي أثيرت حوله ولا حتى تكليف اللجنة بالمهمة التي أوكلت اليها، محملين الاعلام والاعلاميين مسؤلية تضخيم الأمر، مما أبعد حقيقة وصلب المشاكل التي يعاني منها المجتمع، عن الاهتمام، مفسحين المجال أمام جدل عقيم حول قضايا ثانوية غير ذات أهمية أو تأثير يذكر في التركيبة الاجتماعية لكيبيك.
اللجنة وصلت الى عرين الأسد أو وكر النحل، وصلت الى مونتريال، التي يعتبرها البعض بيت الداء، فهي بقناعة الكثيرين، أصل المشكلة وفيها تكمن علة التخوف أو التخويف من الغير. وفيها مظاهر التطرف والتعصب التي يراها البعض رموزاً للارهاب القادم. ماذا سيقول أهل مونتريال والى ماذا ستستمع اللجنة، في اللحظات التي أعد فيها هذا الجزء الخامس من الملف؟ ربما لن نستمع الى أكثر مما قيل، فما عاد بالامكان القول أكثر مما قيل.
سنورد فيما يلي بعض الردود والتعليقات التي حصلنا عليها، تاركين للعدد المقبل استعراض ما تم في مونتريال، واستخلاص النتائج وتحليلها، بانتظار تقرير اللجنة الذي لن يصدر قبل نهاية مارس / آذار من العام المقبل. ولعلها المهمة الأصعب. ماذا سيقول التقرير؟ بانتظار معرفة ذلك ستكثر التكهنات والتعليقات وردود الأفعال. لذا لا يمكننا القول اليوم، الا أن المهمة لم تنته بعد، بل باعتقادي، انها ابتدأت.

فؤاد عبد المسيح
تجمع مسيحيي الشرق الأوسط

في لقاء جمعنا بالمهندس فؤاد عبد المسيح، رئيس تجمع مسيحيي الشرق الأوسط، وهو تجمع علماني يهدف الى المحافطة على القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية التي حملها مسيحيو الشرق الأوسط معهم الى كندا، أعرب المهندس عبد المسيح عن قناعته بأن المجتمع الكيبيكي يعاني حالياً من نقص في المفاهيم الدينية والقيم الأخلاقية، الأمر الذي يولد لدى أي مسيحي وافد من الشرق الأوسط اشكالية في التعاون مع الغير فيما يتعلق بالتعايش المشترك، وإن كانت ليست لدى هذا الوافد أي مشاكل تذكر على صعيد الاندماج في المجتمع الجديد.
وإن كان كثيرون يرون أن مشكلة عدم الاندماج بالنسبة للمهاجر الوافد تكمن في الفروقات الدينية، فان المهندس عبد المسيح يراها في التفاوت في القيم الدينية بين الوافدين والمجتمع الكيبيكي بعد الثورة الهادئة في ستينات القرن الماضي، عندما قررت قوى الحكم السياسية في كيبيك الانفصال عن الكنيسة، وهو ما اعتبره كثيرون انفصالاً عن الدين المسيحي وبالتالي ابتعاداً عن الممارسة الدينية الصحيحة، الأمر الذي شكل مفاجأة كبرى بالنسبة للوافد المتمسك بعقيدته وايمانه وبالممارسة الكاملة لديانته، اسلامية كانت أو مسيحية. اذاً المشكلة ليست بين الاسلام والمسيحية بقدر ما هي بين الايمان وعدم الايمان، أو بين الممارسة الدينية السليمة وبين عدم ممارسة الطقوس والواجبات الدينية السليمة.
ذكر المهندس عبد المسيح بأن المسيحيين القادمين من الشرق الأوسط الى كيبيك قد عاشوا في بلدانهم المختلفة كأقليات وسط مجتمعات تتحكم بها قيم دينية واجتماعية مختلفة تماماً عن قيمه، ومع ذلك فقد كانوا مثالاً أعلى للاندماج والمساهمة في المجتمع والمشاركة في الحياة العامة، لذا فهم يدركون تماماً ما هي المشاكل التي يمكن للأقليات أن تواجهها، والتي لا يمكن تسويتها الا بقناعة الطرفين، أن تضحية متبادلة واجبة من قبل الجميع، على أن تترامن تلك التضحية مع ليونة ومسايرة في التعامل المتبادل وارادة فائقة ورغبة حقيقية في فهم الأقليات وقبولها من قبل الأكثريات، على أساس من الاحترام المتبادل للقيم والثقافات. لقد اندمج مسيحيو الشرق الأوسط فور وصولهم بالمجتمع الجديد في كيبيك دون تطبيل أو تزمير، بالرغم من صدمتهم الكبرى بتخلي هذا المجتمع عن ديانته وممارسته لها. لم تكن لهم متطابات صعبة أو مستحيلة التنفيذ. لقد آمنوا أن علمانية معقولة لا يمكنها أن تتجسد برفض القيم والممارسات الدينية التي يعتقدون أنها ضرورية جداً وأساسية للتوازن الانساني الاجتماعي والشخصي.

هذا وقد تقدم التجمع بعرض موجز أمام لجنة بوشار تايلور تمت مناقشته يوم الأربعاء بعد ارسال الجريدة الى المطبعة، يتضمن توصيات بـ:
ضرورة بقاء المجتمع الكيبيكي مجتمعاً متسامحاً ومنفتحاً على الجميع، رافضاً للاستبعاد والاقصاء.
رفض التكتلات المنغلقة والاصرار على ضرورة الاندماج بكل تجانس وتناغم.
الحفاظ على الحق بالمفاخرة بالتراث المسيحي مع رفض أي ادعاء يقول أنه عقبة في طريق الاندماج
رفض أي شكل من أشكال التوافقات المعقولة التي تتعارض مع الحقوق والحريات والتي تحاول فرض ارادة الأقليات، مع المطالبة بتعديل شرعة الحقوق الكيبيكية والكندية باتجاه الاشارة الى البعد الروحي للانسانية والوجود الألهي الذي يعد مصدر كل الشرائع.
المطالبة بعقد اجتماعي جديد يلبي كل التطلعات التي تتناسب مع تطور واقع الهجرة الوافدة، تلك الهجرة التي يفترض بها أن تعرف مسبقاً قبل قدومها الى كندا بتفاصيل هذا العقد وبالقيم السائدة الواجب مراعاتها واحترامها.
يؤكد المهندس عبد المسيح رئيس التجمع في نهاية حوارنا معه، أن التجمع لن يتخلى عن تلك المطالب ولن يتوانى في متابعة المطالبة بتحقيقها، لأنه يؤمن بصوابها وأحقيتها، كما يدرك أن المسيحيين القادمين من الشرق الأوسط هم أدرى من سواهم بالمشاكل التي تواجه المجتمع سيما تلك المتعلقة بالتباين والتفاوت بين الممارسات الدينية المختلفة. الأمر الذي يتطلب وعياً متبادلاً ووقتاً كافياً لتحقيق مجتمع موحد المفاهيم والمبادئ، مجتمع عادل يمكن للجميع أن يعيش فيه بأمان وسلام وحرية على جميع الأصعدة العامة والخاصة.
ان التجمع يشدد ويؤكد أن تاريخ وثقافة وتراث كيبيك ترتبط بشكل مباشر بالتقاليد المسيحية وبالانسانية الخالقة التي تساعد المجتمع على النمو بتجانس تام، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال انكار القيم المسيحية العالمية أو التخلي عنها من أجل ارضاء حفنة متطرفة لا تكاد تشكل نسبة واحد بالمائة من المجتمع. ويرى التجمع أن التمسك بهذه القيم يساعد الأجيال القادمة في بحثها عن هويتها ويقودها في تحديد خياراتها، لأنها قيم لا تتعارض أبداً مع الحريات الخاصة والعامة، قيم علينا أن نفاخر بها ونروج لها بكل الوسائل. إنها قيم تعني 90 بالمائة من الشعب الكيبيكي يحرص عليها ويتمسك بها، مع تأكيد احترامه لكل الديانات الأخرى وتقديره لقيمها النبيلة.

كريس بطشون

السيدة كريس بطشون، ناشطة اجتماعية معروفة في أوساط الجاليات العربية، تدير مع زوجها مؤسسة اجتماعية للدفاع عن السلام والحقيقة في الشرق الأوسط، نظمت خلال السنوات الماضية عدداً كبيراً من اللقاءات مع سيساسيين كنديين لشرح دقائق القضيتين الفلسطينية واللبنانية. ترى السيدة بطشون أن هناك برامج عديدة للمساعدة على الاندماج في المجتمع ولكن المشكلة تكمن في جدية الأشخاص الذين يتعاطون مع هذه البرامج أو الذين يبدون اهتماماً جدياً في الاستفادة منها. أو حتى اهتماماً بالاندماج الفعلي. المشكلة هي مشكلة السطحية في التعاطي مع هذا الموضوع.
وفي تعليقها على موضوع التوافقات المعقولة واللجنة المكلفة بالتشاور حولها، تبدو متفائلة ومتشائمة في آن معاً، حيث تعتبر أن مجرد اجراء التشاورات هو عامل ايجابي، حيث أتاح للعديد من الأشخاص والجهات فرصة التعبير والتعليق والمشاركة، أما السلبية فتكمن في تضخيم الموضوع بشكل حول العديد من القضايا الثانوية والصغيرة الى قضايا بارزة وهامة وهي في واقع الأمر لا تستحق كل هذا الاهتمام والتضخيم.
وبالرغم من تفاؤلها وأملها بأن تخرج مهمة لجنة بوشار تايلور بالنتائج الايجابية، وبأن يؤخذ تقريرها على محمل الجدية وينفذ من قبل الحكومة، فهي ترى أن ما يعانيه المجتمع في كيبيك هو الانغلاق التام للتكتلات التي تشكل المجتمع والخوف المتبادل من معرفة الآخر، وكذلك الجهل الكبير من قبل أهل كيبيك لحقيقة الاسلام كدين وكممارسة يومية. فرغم أن الدين منفصل تماماً عن الدولة، الا أن بعض الجماعات تمارس التخويف وربما التهديد باتجاه جماعات أخرى مختلفة عنها. الموضوع يحتاج الى المزيد من المعرفة المتبادلة والى تعلم الكثير عن الغير لمعرفة كيفية التعامل معه ولتقدير أهمية الفروقات في المجتمع الكيبيكي الذي يعاني من السياسات والسياسيين الذين يوحون بعدم الثقة والأمان. ويكمن العلاج في الخروج من هذا الانغلاق وتقدير أهمية التعدد الثقافي الذي يثري المجتمع في كيبيك.
وإن كانت السيدة بطشون تلقي باللوم على الصحافة ووسائل الاعلام، حول تضخيم بعض الأمور الثانوية والصغيرة، بحيث لا تعبر عن حقيقة الغالبية العظمى من السكان، فانها تعتبر أن العرب مقصرون الى درجة كبيرة جداً في التعبير عن آرائهم وفي التضامن معاً من أجل تقديم رأى موحد وصوت عال يعبر عن احتياجات الجاليات العربية ومشاكلها ووجهات نظرها حول القضايا المطروحة. يمكن للجاليات العربية أن تساهم وتشارك بشكل أكبر في النقاشات الدائرة التي تعنيهم أو تعني قضاياهم الهامة، ولعل العمل الكبير الذي قام به تجمع الكنديين من أجل السلام والعدالة في الشرق الأسط بادارة السيدة بطشون، خلال العامين الماضيين، خير تجربة في هذا الاتجاه.

كمال البطل

المهندس كمال البطل، مغربي الأصل يعمل في حقل الدراسات الزراعية ويتابع تحصيل درجة الدكتوراه في اختصاصه من جامعة كيبيك في تروا ريفيير، يقول أن صلب المشكلة يكمن في وفاء الحكومة بالتزاماتها، الأمر الذي لم يتحقق مع اخلال الحكومة الحالية والسابقة بوعودها وبالنقص التام في البرامج المساعدة على الاندماج وفي التقصير والشح بالموارد المالية الداعمة لهذه البرامج. ولما كان المهندس البطل يعتقد أن التقارب الاجتماعي والثقافي هو عمل يعني الفئات المختلفة من المواطنين، فانه يستغرب اقحام الحكومة لنفسها في حوار من النوع الذي يجري حالياً والذي يدار من قبل السيدين بوشار وتايلور. هذا الحوار الذي يبدو أكثر تعقيداً مع الخلط بين الديانة والمناقشات حول قيم وقضايا غير دينية، يؤكد أن صلب المشكلة لا يكمن مطلقاً في قضايا عقيدية أو ايمانية، بل في انغلاق الروح الذاتية على نفسها، الأمر الذي يدفع الى رفض قبول الآخر أو القبول المتبادل بين أبناء المجتمع.
وكما يعتقد كثيرون سواه، يرى المهندس البطل أن الاعلام والاعلاميين هم من تسبب بتضخيم المشكلة وتحويل مسار الحقائق، مضيفاً أن الحركة الديموقراطية في كيبيك بزعامة ماريو ديمون تتحمل قسطاً كبيراً من مسؤولية تحوير وتزوير الحقائق، وتحويل الأنظار عن المشاكل الحقيقية التي يواجهها المجتمع في كيبيك والتي تتمثل في البطالة والانغلاق والخوف من الآخر وفي نوع من أنواع التمييز والتفرقة الذي عاشه هو بنفسه من خلال تجارب عديدة أدت جميعها الى عرقلة أو رفض طلبات توظيف تقدم بها في مناسبات عدة، كونه مهاجراً من أصل عربي مسلم.

ويرى أن أعمال اللجنة لن تؤدي الى شيء في نهاية الأمر، لأن السياسيين سيستغلون نتائج أعمالها لتحويلها الى سلاح انتخابي يلجأون اليه حسب متطلبات حملاتهم الانتخابية واحتياجات التنافس فيما بينهم. ان الحل يكمن في الاستماع الى الجاليات العربية وغير العربية في جلسات عمل لا في حوار مفتوح وعام. الاستماع الى احتياجات تلك الجاليات ومتطلباتها يجب أن يلبي تطلعات تلك الجاليات وتوقعاتها وهو المجال الوحيد الذي يمكن للاندماج الاجتماعي والثقافي أن يؤتي ثماره.