الفصل 1/7   الفصل 2/7   الفصل 3/7   الفصل 4/7   الفصل 5/7
 الفصل 5/7   الفصل 7/7

كيبيك تبحث عن سبل العيش المشترك (4)

الدكتور حبيب زعرور... | سامي بيهم ... | حسان الجمالي...
الشيخ سعيد فواز... | جورج معلوف...


ردود جورج معلوف على اسئلة ”المستقبل“
هل اصبح العرب والمسلمون زنوج أميركا الشمالية الجدد؟
- جورج معلوف -

 

حضرة رئيس تحرير جريدة "المستقبل" المحترم
لقد كانت جريدة "المستقبل" السباقة دائما إلى إثارة وطرح المواضيع التي تعنى بأمور الجالية، وعلى رأسها ما هو متداول اليوم وبشكل مكثّف عنيت "التوافقات المعقولة"، وسأحاول في هذه المداخلة، المساهمة بعض الشيء تسليط ضوء على الواقع الحالي في مقاطعة كيبيك.

عن السؤال الأول

هذا موضوع حساس ولا أحد يستطيع الإجابة عليه كاملا أو الولوج إلى حيثياته أو إيجاد حلول سحرية له. وهنا لا بد من السؤال عما دفع كل هؤلاء المهاجرين إلى ترك كل شيء وراءهم والمجيء إلى هذه البلاد الجديدة. أليس من أسباب لهذه الهجرة؟ ومن المسؤول عنها؟ ما سبب صعود الإسلام السياسي اليوم؟ وما سبب هذه الحملة "المكارثية" عليه؟ وما هو دور المثقفين العرب هنا؟
لقد تابعت بعض المداخلات التي حصلت في مقاطعة "كيبيك" فيما يتعلق بلجنة "بوشار-تايلور"، وكان التركيز من أغلب المشتركين تقريبا على الحفاظ على "هويتنا وثقافتنا"، وكأن المهاجر أتى ليسرق هذه الهوية، ومنهم من قال إن على المهاجر أن يتبع هو ثقافتنا، وهل هناك شيء اسمه ثقافة "كيبيكية" خالصة، إن زواج المثليين اليوم مثلا هو آخذ في الصعود في كيبيك وقد يصبح بعد عشرين سنة أو أقل ساري المفعول بنسبة مرتفعة جدا، فهل المهاجر ملزم باللحاق بهذه الثقافة؟
ومن انحلال العائلة والتفلت الخلقي الحاصل الآن، هل المهاجر ملزم بهذه الثقافة أيضا؟
فالمهاجر أتى ومعه قيم يفتخر هو بها، قد تساعد بعض الشيء في إغناء مجتمعه الجديد وأعطاء هذا المجتمع بعضا من معرفته وتجاربه، فيجب إعطاؤه فرصة، لا النظر إليه كجسم غريب آت من كوكب آخر.

عن السؤال الثاني

ارى أن إثارة موضوع التوافقات المعقولة بهذا الشكل لا يساعد أبدا في إيجاد حلول عملية، ولا يحقق أي تضامن اجتماعي، إذ اننا نرى أن كل فريق قد تمسك بمواقفه أكثر، وبرز المتطرفون من كلا الفريقين وكأنهم الممثلون الوحيدون والناطقون الرسميون بأنفسهم.
طبعا هناك مشاكل من قبل سكان مقاطعة كيبيك مع كثير من الجنسيات الأخرى كالسود أو اليهود مثلا، ولكننا كعرب إن أكثر ما يعنينا هو مشاكلهم مع الجالية المسلمة، وقصة الحجاب وغيرها. ولا أحد ينكر أن هنالك في الجيل العربي الناشيء، سواء في المغتربات أم في الأوطان الأم، ردة نحو التمسك ليس بالدين فقط بل بالمظاهر الدينية بشكل عام، ومنها اللباس على سبيل المثالن وهذا واضح من نسبة الفتيات المراهقات اللواتي يرتدين الحجاب، وعلاوة على هذه الردة الدينية فهنالك أيضا نوع من الحنين إلى تراث وهوية، فإن المهاجر بعد أن تخلى عن كل شيء في بلاده الأم وأتى إلى بلاد يعتبرها غريبة بالنسبة له، فهو يرى أن كل ما تبقى له هو تمسكه بعاداته وثقاليده، ومها طبعا ممارسة الشعائر الدينية، وهذا ليس فقط عند المسلمين، بل اننا نرى الجالية العربية المسيحية أيضا تتجمع حول كنائسها وتتمسك بطقوسها الدينية، إذ انها ربما تتمسك بهويتها، وهي التي جاءت إلى بلاد، هي أيضا تبحث عن هوية ضائعة.
ولقد لعبت بعض وسائل الإعلام دورا كبيرا في تضخيم هذا الموضوع والتركيز عليه بشكل يومي تقريبا، كما أشرت إلى ذلك في مقالة سابقة، وليس من الصدفة أن تكون هذه الهمروجة الإعلامية قبل الإنتخابات الأخيرة في مقاطعة كيبيك، (أسفرت نتائج هذه الإنتخابات عن فوز كبير لحزب العمل الديمقراطي الذي استغل رئيسه ماريو دومون هذه الحملة ضد المهاجرين والعرب والحجاب وغيره، ولعب على مشاعر الجمهور الكيبيكي ليكسب أصواته انتخابيا). ومن غرائب الصدف أنه قبل الإنتخابات باسبوعين كانت نتائج الإستطلاعات تعطي لهذا الحزب نسبة 24% من أصوات الناخبين، وإذ تظهر في الأسبوع التالي صورا لبعض أفراد الجالية المسلمة يقومون بأداء الصلاة في الـ Cabane a sucre، وأنا شخصيا، أشك أن هذا الأمر قد حصل، أو ما هي الغاية من إقامة الصلاة في هكذا مكان، إذ انه غير شرعي والصلاة فيه وإن لم تكن ممنوعة فهي غير مستحبة. وكلنا يعرف ما هي القيمة المعنوية لهكذا مكان عند أهل كيبيك، وبعد هذه الحادثة جرى استطلاع آخر للرأي أعطى الحزب المذكور نسبة 34% من مجموع الأصوات، ما جعله متقدما كثيرا في هذه الإنتخابات، وبعد ذلك لم نعد نسمع أحدا يتكلم بهذا الموضوع، وخاصة ماريو دومون، أذ انه استطاع أن يجيّر هذه المادة لصالحه.

عن السؤال الثالث

مع أن مقاطعة كيبيك قررت الإبتعاد عن الكنيسة وطرحت العلمنة غير الملحدة شعارا لها، فهذا لا يعني أن أهلها لم يعودوا مؤمنين، وهم مسيحيون كاثوليك بمعظمهم، ولكن على طريقتهم الخاصة. ولقد جرت سابقا بعض المحاولات التي قام بها أعضاء في الحركة العلمانية في مقاطعة كيبيك لمنع الصلاة في إفتتاح الإجتماعات الرسمية، كما طالب الرئيس السابق للحزب الكيبيكي أندريه بواكلير بإزالة الصليب من مجلس العموم، مما أثار سخط الكثيرين ضده وكان هذه من جملة الأخطاء التي اتهمه بها خصومه. والسؤال هنا هل تخلت كيبيك عن جذورها المسيحية، وهذا السؤال طرح قبلا في الإتحاد الأوروبي، ولم يجدوا جوابا له، ومع أن أوروبا في ميثافها الجديد لم تتطرق أبدا إلى جذورها المسيحية، ومع ذلك نرى عن أهلها حذر دائم من المهاجرين من الديانات الأخرى. وفي مقابل هذه الأصوات التي تطالب بالعلمنة الكاملة نرى بعض الأصوات الجديدة التي تطالب بالعودة إلى أصول الدين الكاثوليكي وتدريسه في المدارس، وهنا أطرح سؤالا: هل قدوم جاليات كبيرة إلى مقاطعة كيبيك ومن ديانات مختلفة عن ديانة أهل المقاطعة قد دق ناقوس الخطر عندهم ودعاهم إلى المطالبة بالتمسك بأهداب الدين من جديد باعتباره جزءا من هويتهم؟ إن العودة إلى الدين مسألة ظرفية تماما، فعندما يكون الخلاف مع أناس من نفس الدين تكون لون البشرة مثلا هي السبب لهذا الخلاف، كما كان سابقا مع السود في اميركا وكندا، قبل أن يصبح العرب والمسلمون هم السود الجدد في هذه القارة. وعندما يكون لون البشرة واحدا عن الطرفين يكون الدين هو عنصر الخلاف كما في إيرلندا الشمالية مثلا، أو حرب المئة سنة بين فرنسا وانكلترا.

عن السؤال الرابع

إن الاختلاف في المظاهر الدينية هو الواجهة التي قد يستعملها البعض لتبرير خوفه من الآخر. إنما في الواقع فسكان مقاطعة كيبيك كغيرهم، يخافون على ضياع هويتهم ويخافون أن يأخذ المهاجر منهم فرص العلم، لذلك فهم متمسكون بالوظائف ذات المدخول الجيد والتي تحميها النقابات كالبلدية مثلا والنقل المشترك ووظائف الدولة عامة. أما المعامل والمصانع فإن الغالبية الساحقة من عمالها هم من المهاجرين، مع أن جاليتنا العربية تختار غالبا الأعمال الحرة وهنا وردتني خاطرة، إذ أنه في أيام الاستعباد الأولى كان أهل أميركا الشمالية يذهبون إلى أفريقيا للإتيان بـ "العبيد" تحت ضرب السياط لتشغيلهم في حقول القطن أما أهل أفريقيا اليوم فهم يدفعون الغالي والرخيص للإتيان إلى هذه البلاد والعمل في معاملها.

عن السؤال الخامس

حتى داخل الجالية العربية المسلمة، هناك أصوات لمثقفين ارتفعت تطالب وسائل الإعلام بعدم التركيز على بعض الشخصيات الدينية المثيرة للجدل، ومنهم المغربي "كمال البطل" و"صلاح بسلامة" بخصوص قضية الإمام "سعيد الجزيري" والتركيز حوله، كما أن هنالك مسلمين كثيرين غير عرب في كيبيك (باكستان أو الدول الأفريقية مثلا) وليس لديهم مشكلة كما أعتقد في التكيف مع المجتمع الجديد. أما المطلب الاساسي الذي أرجو أن يتحقق من خلال هذه اللجنة هو المزيد من التوعية عبر وسائل الإعلام، عن دور المهاجرين في إغناء المجتمع الكيبيكي، وذلك بنشر دراسات عن هذا الدور وعن الإنجازات الكثيرة التي حققوها، وأن يغيب عن كل مقال صحفي أو ندوة تلفزيونية تثير الغرائز والنعرات الدينية من الأعمال المخلة بالعلاقات ما بين سكان المقاطعة، وأنا أشدد على الأمر التالي: إن يكون هنالك إحصاء حكومي رسمي لعدد السجناء العرب والمسلمين من نساء ورجال وذلك لتبيان الحقيقة أمام الرأي العام عن نوعية مهاجرينا، علها تعطي فكرة عن مجتمعنا وعن قيمنا.

عن السؤال السادس

إن التعايش يتحقق فقط بالتفاهم المبني على معرفة الآخر، وإعطاء الدور الأكبر للحوار البناء، وكسر الأحكام المسبقة بحق الآخر، وإن القانون هو الحكم الأول بين الفريقين، وهنا أود أن أتوجه بكلمة إلى الجالية العربية المسلمة إن أهل مقاطعة كيبيك كانوا أول المدافعين عن قضايانا القومية وخاصة فلسطين وكانوا أول من ارتدوا "الكوفية العربية" فلا تدعوهم يخلعونها آسفين.

عن السؤال السابع

إن أمر الإندماج الاجتماعي يحتاج إلى بعض الوقت، إذ أن ليس كل الأمور في يد الحكومة، بل هنالك نقابات قوية ما زالت تفرض شروطها بحق المهاجرين الجدد قبل اندماجهم وحصولهم على عمل ضمن اختصاصاتهم.

عن السؤال الثامن

لا شك أن الإسلام اليوم هو في واجهة الأحداث العالمية، وطبعا هو عدو "مفترض" للغرب كما يروج هذا الغرب الذي يبحث دائما عن عدو جديد. ومحاربة هذا العدو تفترض استعمال جميع الأسلحة المتوفرة ومنها الإعلام طبعا والتشهير والتفتيش عن السلبيات ونقاط الضعف. أما التصرفات المتطرفة من قبل القلة من المسلمين فهي الشيء الوحيد الذي يراه الغرب وفي ظل حملة إعلامية واسعة يصبح هذا القليل هو القاعدة. وهنا أود أن أقول إن الأصولية لم تكن خيار المسلمين الأول، فبعد فشل الأفكار القومية والأفكار الاشتراكية التي آمن بها الكثير من شباب العرب اعتقدوا أن لجوءهم إلى الدين هو أحد المخارج لأزمتهم. من هنا ازدهرت الشعائر الإسلامية بعد الهزيمة العربية في أواخر التسعينات.

عن السؤال التاسع

هنالك مشاركة كبيرة في الحياة السياسية من قبل عرب ومسلمين وقد رأينا عددا غير قليل منهم يترشح للإنتخابات النيابية الأخيرة، وهذا لا يتعارض أبدا مع أداء فرائضهم الدينية.

عن السؤال العاشر

من واجب المثقفين في الجالية أخذ دور اكبر من هذه الناحية، وذلك عبر الندوات والكتابات ونشر الكتب التي تعطي الوجه الحقيقي أو الموضوعي للإسلام ككتاب الدكتور سامي عون" الإسلام اليوم" أو كتاب أمين معلوف "الهويات القاتلة" واسترجاع الدور الذي سرقه بعض الغلاة، فسكان هذه المقاطعة كانوا قد حسموا رأيهم مع الدين وابتعدوا خطوات كبيرة عنه ولكن دون الإلحاد كما حصل في البلاد الشيوعية، ولم يخطر ببالهم أنه سيأتي يوم ويرون أناسا من أديان أخرى تمارس شعائرها الدينية وتتمسك بها، لذلك نراهم يتخبطون ولا يدرون كيف التعامل معهم. وإن المخاضات التي يمر بها الإسلام حاليا قد مرت بها الكنيسة الكاثوليكية سابقا، كم من الحالات التي حاربتها الكنيسة ولم تعترف بها وكانت تعتبرها مخالفة للتعاليم السماوية. وخسرت في اغلب الأوقات بعد أن جابهها العلم ونقض كل التعاليم الكنسية، كمثل استدارة الأرض مثلا، ولكنها بعد ذلك تماشت مع الواقع وهي تتعايش الآن مع هذه المغامرة الإنسانية الرائعة. وفي المجتمعات الإسلامية كان لكل عصر دينه يعكس صورته التي قد تكون مختلفة عن عصر آخر ومن بلد إلى آخر. وعندما كان العرب في اوج مجدهم وكان شعورهم أن العالم ملك أيديهم بينوا بإيمانهم ودينهم انفتاحا على الآخر، اذ قاموا بترجمة المخطوطات اليونانية والفارسية والهندية، مما أحدث ثورة في العلوم والرياضيات وغيرها الكثير.
وفي كل مرة كان المجتع الإسلامي يشعر بالامان، كان يبدي انفتاحا كبيرا ويعكس صورة مغايرة تماما لصورته المتداولة في عصرنا هذا، كما أن مدينة قرطبة كانت لؤلؤة الأندلس والعالم في أوج عزها ولكن عندما حاصرها الاسبان في القرن الثالث عشر أصبحت معقلا للأصولية بعد أن كانت مؤئلا للفن والحداثة والموسيقى. إذا الإسلام يتماشى مع المجتمع والزمان والظروف التي يتواجد فيها. وعندما يثور بعض شباب العرب ضد الغرب، فليس مرد ذلك لأنهم مسلمون والغرب مسيحي بل نتيجة عقود من السيطرة مارسها هذا الأخير عليهم وليس لهذه الثورة أي بعد تاريخي ضد الغرب بل هي نتيجة لوقتنا الحاضر، وتعقيداته واليأس منه.

عن السؤال الحادي عشر

طبعا ليس الدين هو السبب الرئيسي لهذه الحملة على العرب والمسلمون فكما قلت سابقا إن العرب هم في واجهة الأحداث اليوم وأقل هفوة أو عمل خاطيء يقومون به، ترى كل وسائل الإعلام تتحدث عنه، متناسية كل المشاكل التي تتخبط به هذه المقاطعة، منها نسبة البطالة أو عصابات الشوارع مثلا. أو الكثير الكثير من المشاكل الإجتماعية الأخرى.

عن السؤال الثاني عشر

إن العرب أنفسهم منقسمون حول الموقف الواجب اتخاذه حيال هذا الموضوع، فمنهم غير المبالي، ومنهم المتمسك بشعائره الدينية ويدافع عنها بكل شراسة ومنهم المهاجم والرافض لهذه الشعائر وتطبيقها، حتى أنه يتماهى أحيانا مع المعترضين من سكان المقاطعة. فالمطلوب منا جميعا القيام بحملة توعية شاملة بمشاركة المثقفين من أبناء الجالية، ومن نواب البرلمان وخاصة عند مواسم الإنتخابات وهي كثيرة، وذلك لبلورة وتوضيح ما يجهله سكان كيبيك عن العرب. اذا أنها مسؤولية الجميع وخاصة أعضاء دوائرنا الانتخابية من نيابية وبلدية وغيرها.
وأخيرا شكرا لجريدة "المستقبل" لأنها تعطي اهتماما خاصا لهذا الموضوع، لأنه يعني قراءها وهي تهتم بهؤلاء القراء.