الفصل 1/7   الفصل 2/7   الفصل 3/7   الفصل 4/7   الفصل 5/7
 الفصل 5/7   الفصل 7/7

كيبيك تبحث عن سبل العيش المشترك (1)

بين العودة إلى الجذور ومواكبة العصرنة
هل على الإسلام أن يدفع ضريبة توافق الكيبيكيين؟
أين الصوت العربي في زوبعة التوافقات؟

- ملف من إعداد الدكتور حبيب زعرور -

 

سؤال يحيرني، منذ أن بدأت اعداد هذا الملف، ربما لن أجد جواباً له، إذ يبدو أن صاحب العلاقة لا جواب لديه، وأعني السيد ماريو دومون زعيم ADQ الحركة الديموقراطية في كيبيك. والسؤال هو: هل اعتقد السيد دومون، عند اطلاقه التصريحات الشهيرة المتعلقة بالتوافقات المعقولة والتي ترافقت مع بيان ايروفيل الشهير، أن القضية ستؤول الى ما آلت اليه، وأن الأمر ما عاد متوقفاً على تسويات وتوافقات أو حقوق أقليات ومهاجرين، بل بات يشكل خطراً حقيقياً، وللمرة الأولى، على هوية كيبيك الوطنية وعلى قيم وثقافة سكان البلاد الأصليين، الذين تكاد تلك العاصفة أن تظهر أن لا هوية لهم وأنهم بأنفسهم من أسقط تلك الهوية عندما تخلوا عن قيم آمن بها الأقدمون منهم، وتخلى عنها جيل بعد جيل منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، و تحديداً جيل الثورة الصامته من سبعينيات القرن الماضي.
رب قائل أن الموضوع قد أخذ أبعاداً أكبر من واقعه وحجمه الطبيعي، ولكن المتتبع لما يصدر يومياً من آراء وتعليقات حول موضوع حقوق الأقليات العرقية الوافدة الى كيبيك، ومن ردود وردود معاكسة، يدرك أن الأمر ما بات يقتصر على مناقشة ما اذا كان أهل البلاد يؤيدون أو يعارضون منح الأقليات الوافدة حقوقاً مميزة مراعاة لانتماءاتهم الدينية ومعتقداتهم الخاصة، بل أضحى مناقشة ما اذا كانت كيبيك ما تزال تتحلى بهوية مميزة وقيم خاصة بها، أم أنها باتت أرضاً سائبة لكل وافد يمارس فيها ما يحلو له من ممارسات طبيعية أو شاذة، بينما يحجم بعض الوافدين عن اعطاء من سكن هذه البلاد منذ قرون مضت أبسط حقوق المحافظة على معتقداتهم أو يبخلون عليهم بحق اظهار أو ابراز مظاهر ديانتهم التي يحق لهم أن يفخروا بها لأنها وحدها كانت وستبقى الكفيلة بمنح الغير حقوقه الدينية والدنيوية كاملة غير منقوصة.
هكذا هي صورة الموقف اليوم مع مرور الشهر الأول على بدء اجتماعات ومداولات اللجنة الخاصة التي شكلها السيد جان شارييه رئيس وزراء كيبيك مطلع شباط الماضي في خضم المعركة الانتخابية المحتدمة، وقد اعتقد هو أيضاً أن تشكيل لجنة للدراسة قد يعني التخفيف من وطأة ما قد يترتب على اثارة خصومه السياسيين لهذا الموضوع الذي يولد لا محالة انقساماً واضحاً في المجتمع الكيبيكي.
جريدة "المستقبل"، رائدة الصحافة الاغترابية منذ أكثر من خمسة عشر عاماً (تحديداً منذ 1991)، تنفرد بنشر هذا الملف الخاص بتفاصيل أعمال لجنة "بوشار – تايلور" الخاصة بالمشاورات الشعبية حول تطبيق التوافقات المتعلقة باختلافات الثقافات، ومجريات جلسات الاستماع والمداولات التي دارت منذ نهاية آب المنصرم والتي ستستمر حتى نهاية نوفمبر القادم، عندما ستتفرغ اللجنة لإعداد تقريرها الذي سترفعه الى مجلس الوزراء وربما الى الجمعية الوطنية لمناقشته.
السؤال الكبير يبقى: ماذا ستحقق اللجنة؟ وماذا سينتج عن توصياتها؟ هل تلك التوصيات والمقرارات في حال اعتمادها ستنال رضى وقبول وموافقة كل الأطراف المهاجرة الوافدة أو الوطنية المتمسكة بجذورها؟ وأمام هذه الزوبعة العاصفة، أين يقف العرب في كيبيك منها؟ وهل من أمل أن نسمع صوتاً عربياً كندياً موحداً يضمن ممارسة الحقوق المضمونة حسب الشرائع والواجبات الملقاة، بموجب القوانين والأنظمة، على عاتق كل من اختار طائعاً الاقامة والعيش في هذا البلد؟ هل سنرى قريباً نظرية "العيش المشترك" التي فشلت أمم الشرق الأوسط في تحقيقها على أراضيها، وقد تحققت، بواسطة نفس الأمم المهاجرة، في القارة الأمريكية وتحديداً في كندا وكيبيك انطلاقاً من مونتريال، مدينة الثقافات المتعددة والفنون التي عشقناها جميعاً؟
 


تـعــريـف

نبدأ باستعراض بعض التعريف التي تساعدنا على فهم المصطلحات المستخدمة، ثم ننتقل الى عرض تاريخي لتطور قضية التوافقات المعقولة ومنه الى تطورات النقاش الدائر في لقاءات اللجنة مع الجمهور في كيبيك، وأخيراً نصل الى الاجابات التي وردتنا والأراء التي أبداها مع كل من التقته "المستقبل" من أجل اثراء هذا الملف.
التوافقات أو الترتيبات المعقولة: هي ترجمة لعبارةles accommodements raisonnablesبصيغة الجمع. ويستخدم البعض عبارة "الملاءمات" أو "التسويات" وأعتقد أن توافقات تفسر المعنى الحقيقي، لأن كلمة Accommodement بالمفرد هي ترتيب قضائي يدخل ضمن نطاق الاجتهادات ويقصد به التخفيف من عبء تطبيق قانون أو ضابط قانوني لمصلحة شخص مهدد بالتمييز بسبب خصوصية يحميها القانون. أي أنها الميزات الاستثنائية التي تمنح نتيجة توافق بين طلب خاص ونظام قائم بحيث يبدو الاستثناء الممنوح وكأنه خروج عن النظام المعمول به، أتى نتيجة توافق تم بين أطراف عدة. و"الترتيبات التوافقية المعقولة" هي تصور قضائي تم تحوير معناه ليتحول الى وسيلة تساعد على تفادي تطبيق القوانين على الأشخاص الذين يعتقد أن هذه القوانين قد تشكل بالنسبة لهم تمييزاً أو محاباة لطرف بسبب خصوصية تحميها القوانين أصلاً.
ويمكن تطبيق هذه الترتيبات خارج نطاق القضاء، مثل علاقات العمل في المؤسسات الخاصة أو العامة، ويمكن تسميتها عندئذ بـ "التسويات المدبرة" أو المتفق عليها : Ajustements concertés
الاسلام والأصولية الاسلامية: تميز اللجنة في تعريفها للكلمتين بين الاسلام Islam كديانة وبين الاسلامية Islamisme كحركة أو كتيار غالباً ما يكون راديكالياً أو أصولياً.
العلمانية Laïcité : مبدأ فصل الدين عن الدولة (أو، في حالة كيبيك، إبعاد الكنيسة عن ممارسة السلطة السياسية)
العلمنة Laïcisation : عملية إبعاد أي روح دينية أو مذهبية عن المؤسسات التابعة للدولة.
ومن الضروري توضيح الفارق بين العلمانية المفتوحة، المعمول بها في كيبيك حالياً، والتي تعني إلغاء التمييز الديني في مؤسسات الدولة مع الابقاء على بعض المظاهر الدينية الخاصة بالافراد أو الجماعات، وبين العلمانية المتزمتة أو الكاملة التي تعني إلغاء أي من المظاهر الدينية من المجال العام الحكومي أو الرسمي العام للدولة، واقتصار تلك المظاهر على الممارسات الخاصة في نطاق المجال الخاص.
هناك كلمة يشيع استعمالها كثيراً عندما نتحدث عن المهاجرين الوافدين وتكاد ترتبط بهم تماماً في كافة المجالات، وهي كلمة Intégration. هذه الكلمة المستخدمة في الأنظمة الديموقراطية أو تلك التي تفتح أبوابها لاستقبال المهاجرين اليها، تعني، على صعيد الهيكلية العامة للمجتمع، كافة الترتيبات والعلاقات الاجتماعية التي تتكيف معها التجمعات والمؤسسات والتي تؤدي الى اندماج أو انتماء أكبر عدد ممكن من الجماعات في المجتمع الى النظام العام. وعلى الصعيد الفردي، تعني مجموعة الخيارات الفردية التي تمكن الفرد، اذا أراد، من المساهمة التامة والفعالة في حياة المجتمع الذي يعيش فيه، خاصة في المجال العام، ويترعرع حسب خصائصه وتوجهاته. ويمكن لهذا الاندماج ألا يكون انصهاراً تاماً في المجتمع بحيث يعتمد النظام الذي يضمن العلاقات الودية المتناغمة والحميمة، بتكثيف التبادل، بين الثقافات التي يتشكل منها المجتمع دون الغاء الفروقات بينها، وهو ما نسميه عادة الـ Interculturalisme، مع ضرورة تمييزها عن كلمة multiculturalisme والتي تعني تعدد الثقافات مع احتمال بقائها متباعدة.

عرض تاريخي

قضية "التوافقات المعقولة" ليست بالجديدة. مواضيع عديدة أثيرت بهذا الصدد وتمت معالجتها دونما أي ضجيج، الى أن رأت وسائل الاعلام في اثارة التعليقات حول هذا الموضوع مصلحة مباشرة لها في اثارة الرأى العام واستخدام ردود الأفعال كوسيلة ضغط على السياسيين، خدمة لمصالح اعلامية خاصة بكل وسيلة.
في العام 1990، سمح لأفراد الشرطة من طائفة السيخ بارتداء عمامة الرأس الخاصة بهم (تسمى التربان) أثناء أدائهم عملهم الرسمي. في العام 1995، سمح بارتداء الحجاب الاسلامي في المدارس العامة وفي العام 2005 ألزمت المدارس الخاصة بالسماح بدورها للفتيات بارتداء الحجاب في المدرسة.
العام 2006 شهد العديد من حالات "التوافقات المعقولة" المتعلقة بالممارسات الدينية لدى كل من المسلمين واليهود، حيث سمحت المحكمة العليا في كندا لطالب من أتباع السيخ بحمل الخنجر في غمده على خاصرته أثناء تواجده في المدرسة. كما رضخت احدى مدارس مؤسسة الشباب الكاثوليك لمطلب طائفة من اليهود المتطرفين بتظليل نوافذ صالة الرياضة للحيلولة دون مشاهدة أبنائهم لأجساد الطالبات شبة العاريات أثناء ممارستهم التمارين الرياضية "المدرسية"، وفي وقت لاحق من العام التالي 2007، عادت المدرسة وأزالت التظليل. كما أرغمت قوات الشرطة في مونتريال على منع تعامل الشرطيات فيما اذا رفضت احدى الطوائف اليهودية أو الاسلامية المتطرفة التعامل مع شرطية من الجنس اللطيف. حوادث عديدة لا مجال لتعدادها تؤكد معنى "التوافقات المعقولة" والغاية منها.
نهاية العام 2006 وبداية العام الحالي 2007 شهدت تدخل السياسيين على مستوى رفيع بأمر تلك التسويات التوافقية الاستثنائية، مع حادثة منع دخول رجال الى الجلسات التوجيهية التي تقدمها المستشفيات للأزواج في مرحلة قبل الولادة لتحضير كل من الوالدين لاستقبال المولود الجديد، اذ اعترضت مجموعة اسلامية على تواجد رجال غرباء في نفس القاعة التي تتواجد بها نساء مسلمات لحضور الدروس الارشادية. وتتالت مظاهر الاعتراض التي توجتها تصريحات صدرت في مطلق العام 2007 من قبل عمدة بلدة ايروفيل، تلمح الى أن البلدة لا تقبل بعض التصرفات المشينة بحق النساء، مثل رجم النساء بالحجارة، في اشارة الى اضطهاد الاسلام للنساء، علماً بأن البلدة لا تأوي الكثير من الغرباء وأن رجم المرأة ليس معروفاً في كندا، أو ربما ليس متداولاً.
في هذا الخضم، استطاع ماريو ديمون، زعيم حركة كيبيك الديموقراطية، أن يعزف لحن "التوافقات المعقولة" في الحملة الانتخابية، نهاية الشتاء الماضي، مستفيداً من احصاء أعلنت نتائجه التي أظهرت سكان كيبيك بمظهر العنصريين في تعاملهم مع المهاجرين الوافدين الى مقاطعة كيبيك للاقامة والعيش، لا سيما العرب منهم والسود والمسلمون واليهود. وكان لتصريحاته في تلك الفترة الحساسة الأثر الكبير في استقطاب عدد كبير من الانفصاليين غير الراضين على اداء زعيم حزب كيبيك وقتئذ، اندريه بواكلير، والراغبين في توجيه ضربة قاضية لزعيم حزب الأحرار، رئيس الوزراء جان شاريه. وأثبتت نتائج الانتخابات صواب خطوة ديمون وانهيار شعبية كل من بواكلير وشاريه، حيث غادر الأول العمل السياسي، وهو في عز شبابه، وخسر الثاني الأغلبية الحاكمة مما اضطره الى تشكيل حكومة أقلية ضعيفة ما تزال تعاني حتى اليوم، وقد تعاني طويلاً، من الحملات العنيفة التي يشنها خصومهم في البرلمان.
وكما ذكرنا، فقد اضطر رئيس الوزراء في مطلع شباط 2007 الى تشكيل لجنة مكلفة اجراء مشاورات شعبية على صعيد كيبيك من أجل تقييم تطبيق تلك التسويات التوافقية، لا سيما ما يتعلق منها بالمهاجرين الوافدين عامة وبأبناء الأقليات من الجاليات الاثنية (مثل العرب، السود، اليهود، ...). تلك اللجنة التي نحن، في هذا العدد من جريدة "المستقبل" وفي الأعداد القادمة، بصدد متابعة أعمالها وردود الأفعال عليها.

لجنة المشاورات
حول "التوافقات المعقولة"

في الثامن من شباط الماضي، شكل جان شارييه، رئيس وزراء كيبيك، لجنة برئاسة جيرار بوشار، خبير التاريخ وعلم الاجتماع وأستاذ في جامعة كيبيك، والكاتب شارل تيلور خبير الفلسفة والأستاذ في جامعة مكجيل، مهمتها اجراء الاستشارات الخاصة بتطبيقات "التوافقات المعقولة" أو التسويات التوافقية المتعلقة بالاختلافات الثقافية في كيبيك.
كان واضحاً، يومئذ، أن هدف السيد شاريه من تشكيل هذه اللجنة، سياسي بحت، يهدف للتخلص من ضغوط أحزاب المعارضة إبان الحملة الانتخابية التشريعية ومشاعر انزعاج المواطنين في كيبيك من سياسة التسويات التوافقية المعمول بها ارضاءاً لأبناء الجاليات المهاجرة.
زوبعة أثيرت في تلك الفترة لأغراض سياسية انتخابية بحتة، ولكنها سرعان ما تحولت الى واقع يكاد يشكل انقلاباً في النظرة الداخلية للذات وفي البحث عن الهوية المميزة للمجتمع في كيبيك. وهذا ما سنخلص اليه في تفاصيل الملف الذي بين أيدينا.

مهام اللجنة ومباشرة أعمالها:

في حيثيات تشكيل اللجنة، تحددت مسؤوليتها الرئيسة باعداد وصف شامل لتطبيقات التسويات التوافقية، واجراء تحليل للتحديات الناتجة عن هذه الممارسة، وذلك من خلال القيام باستشارات شعبية عامة مع السكان في كافة مناطق كيبيك، وتتم هذه الاستشارات عن طريق جلسات للنقاش العام أو رسائل محددة تتضمن وجهة نظر معينة يتم لاحقاً اجراء حوار موسع حول بنودها. وتقرر أن تخلص اللجنة في نهاية اتصالاتها الى رفع تقرير مفصل يتضمن توصيات الى رئيس الوزراء، بتاريخ 31 مارس 2008. وقد يطرح هذا التقرير لاحقاً للنقاش بين مختلف القوى السياسية في كيبيك، وذلك حسب الأجواء التي ستكون سائدة في حينه، حيث يتوقع العديدون، بمن فيهم أعضاء الوزارة والحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، الدعوة لانتخابات عامة مع بداية الربيع القادم في كيبيك. وقد ضمت اللجنة اضافة الى رئيسيها، خمسة عشر عضواً من أساتذة الجامعات والخبراء، بينهم عضو عربي واحد هو السيدة عايدة قمر، ويتفرع عنها عدد من مجموعات للتأمل والبحث.
باشرت اللجنة أعمالها في نهاية شهر آب بجلسة حوار عام ضمت حوالي ثلاثمائة شخص في مونتريال، اعتبرت جلسة غير رسمية، انطلقت بعدها اللجنة الى المناطق المختلفة من مقاطعة كيبيك، على أن تعود الى مونتريال، في نهاية أعمالها في الأسبوع الأخير من نوفمبر / تشرين الثاني، حيث يتوقع أن يكون زخم مهمة تلك اللجنة الأقوى والأعنف بين لقاءات المناطق الأخرى، نظراً لما تشكله مونتريال من معقل للتجمعات المهاجرة في كيبيك. وبدأت بعقد اللقاءات والتجول في المناطق المختلفة من مقاطعة كيبيك. وقد تسلمت اللجنة، حتى تاريخ اعداد هذا الملف، ما يزيد عن مائتي مذكرة قدمتها جهات مختلفة وعدد من المواطنين، من بينهم بعض المهاجرين المقيمين في كيبيك منذ عشرات السنين، كما أعطي مجال التحدث أمام اللجنة لأكثر من ثلاثمائة متحدث، نقل وسائل الاعلام المرئي العديد من مداخلاتهم والحوار الذي دار حول الأراء والأفكار المطروحة.
ومع استعراض الأسماء والجهات التي تقدمت بمذكراتها أو مرافعاتها أمام اللجنة، نتبين أن الجالية العربية غائبة، كما عودتنا دائماً، إذ لا يوجد بين المذكرات المقدمة، والتي بلغت صفحاتها الآلاف حتى الآن، أي مذكرة مقدمة من مواطن من أصل عربي أو من جهة تمثيلية لأي من الجاليات العربية، مما يدفعنا الى طرح السؤال الكبير: أين هي الجالية العربية في كيبيك مما يجري؟ هل لنا أن نرجو أو نأمل بسماع صوت عربي "يغرد" أمام اللجنة عندما تصل الى مونتريال، معقل "الثوار العرب" أصحاب النخوة وشهامة الدفاع عن الشرف العربي؟ وهل للجالية العربية صوت أو رأي مشترك، يمكن نقله الى اللجنة ليؤخذ بالحسبان عند صياغة توصياتها؟ إنه السؤال الذي يكمن وراء الارادة القوية بإعداد هذا الملف ومتابعته على مدى الأيام والأسابيع القادمة التي تواصل خلالها اللجنة المكلفة ببحث مشاكل "التوافقات المعقولة" المتعلقة بالجاليات متعددة الثقافات.

رسالة "المستقبل"

ومن موقع المسؤولية، ستقوم جريدة "المستقبل" برصد تحركات وأعمال اللجنة وكافة التعليقات التي تمت والتي سيتم تداولها حول ردود الأفعال والمواقف المختلفة منها، وقد تبنت خطوة جريئة تهدف الى فتح الباب واسعاً أمام كافة القراء، لا سيما المثقفين منهم وأصحاب الرأي، للادلاء بأرائهم وتعليقاتهم حول عمل اللجنة والمواضيع التي تتطرق اليها، لنتمكن معاً من تشكيل نواة لرأى جاليوي عربي موحد، يمكننا طرحه لاحقاً على اللجنة. والجريدة على استعداد للرد على تساؤلات القراء والعمل على توضيح الجوانب غير الواضحة من عمل هذه اللجنة وأنشطتها، انطلاقاً من ثقتها الكبيرة بوعي القارئ من أصل عربي وحرصه على تشكيل موقف موحد يساهم في توطيد علاقلات الجاليات العربية بالمجتمع المضيف وبالجاليات الأخرى التي يتقاسم معها "العيش المشترك وحسن الجوار"، سيما وأن الأسئلة المطروحة تحمل توجهاً فكرياً ومبدئياً يتعارض مع العديد من القيم والمثل والمبادئ التي تعودنا عليها في مجتمعاتنا الشرقية قبل وبعد اغترابنا.
جريدة "المستقبل" التي تدرك أهمية المناقشات الدائرة وما سينبثق عنها من نتائج وانعكاسات تتعلق معظمها بالواقع المعيشي لأبناء الجاليات الوافدة الى كيبيك حديثاً، خاصة تلك القادمة من بلدان الشرق الأوسط والتي تؤمن بأن الدين سيبقى عاملاً مؤثراً في حياة الانسان، أينما كان تواجده، تحرص على أن يكون الصوت العربي مسموعاً في هذه الأجواء المشحونة وتسعى جاهدة لإيصال هذا الصوت الى منبر الجلسات التي ستدور في مونتريال قريباً والتي ستختتم بها أعمال لجنة بوشار - تايلور.
ومن هذا المنطلق، تأمل ادارة "المستقبل" في تعاون أكبر عدد ممكن من قرائها، الذين يحرصون على مستقبل أفضل لعائلاتهم وأولادهم وللأجيال القادمة من المهاجرين القدامى والجدد، مع الهدف الرئيسي من اعداد هذا الملف، وذلك بمشاركتهم الفعالة في التعليق على مضمونه والاجابة على الأسئلة التي ستطرح لتكون نواة مشروع المذكرة التي سترفع الى اللجنة لمناقشتها.
الدعوة مفتوحة للجميع دون استثناء، ويمكن الرد أو التعليق بالاتصال:
هاتفياً على الأرقام التالية: 514.337.2319 / 514.334.0909
بواسطة الفاكس على الرقم: 514.332.5419
بواسطة البريد العادي على العنوان:

1305, Mazurette, Bureau 6, Montreal, Qc, H4N1G8

بواسطة البريد الالكتروني، على العنوان: ar@almustakbal.com
(؟) الانترنيت
وتشكر ادارة الجريدة كل من أدرك أهمية التعاون من أجل اعلاء صوت الحق وكل من سيبادر الى الكتابة أو الاتصال للتعليق وإبداء الرأي حول موضوع هذا الملف الحيوي.

سـؤال طرحته اللجنة للنقاش العام

كيبيك دولة علمانية، أي أن لا علاقة للكنيسة بالسياسة العامة للدولة.
العلمانية تعني اضافة الى الفصل التام بين الكنيسة والدولة، حياد الدولة تجاه الديانات.
هذا المبدأ العام يؤدي تطبيقه الى أشكال مختلفة. أي من الحالات التالية تفضل تطبيقها:
منع كافة المظاهر الدينية في مجمل الحياة العامة.
منع المظاهر الدينية من مؤسسات الدولة العامة.
قبول المظاهر الدينية في المؤسسات العامة مع فصل الدين عن السياسة.


نموذج من الأسئلة التي طرحتها اللجنة
على الجمهور من خلال موقعها الالكتروني
 www.accommodements.qc.ca

اذا أتيح لك المشاركة في اتخاذ القرار، فما هو موقفك من القضايا التالية: ( موافق / غير موافق / لا أبالي بالأمر)
1 - السماح، لأسباب دينية، لطفل أن يأكل طعاماً غير الطعام المقرر عادة في الحضانة أو في مطعم المدرسة.
2 - منح اجازات مدفوعة للاشخاص الذين يحتفلون بمناسبات دينية غير الرسمية المقررة من الدولة.
3 - الغاء مظاهر زينة احتفالات عيد الميلاد من المؤسسات العامة لأنها تسيئ الى بعض المعتقدات الدينية.
4 - الغاء مظاهر زينة عيد الميلاد في مؤسسات العمل لأنها تسيئ الى المشاعر الدينية للبعض.
5 - السماح بالتخاطب مع مسؤولي المدارس بلغة غير اللغتين الفرنسية أو الانكليزية.
6 - السماح بارتداء الحجاب الاسلامي في صفوف المدارس.
7 - السماح بحمل الخنجر (الخاص بأتباع السيخ) المغلف على الخصر في المدارس.
8 - السماح بارتداء الحجاب في المباريات الرياضية.
9 - تشكيل تجمعات ذات صفة دينية لطلاب الجامعات.
10- فصل الذكور عن الاناث في دروس السباحة في المدارس.
11- بذل مجهود خاص من قبل المدرسين والتلاميذ لتسهيل تعليم الطفل المهاجر الوافد حديثاً الذي لا يجيد الفرنسية.
12- السماح للطلاب باستبدال مادة مقررة اختيارية بأخرى لأن الأولى تشكل اساءة لاعتبارات دينية.
13- تغيير مواعيد الامتحان لبعض الطلاب اذا كانت تتضارب مع توقيت احتفالات دينية معينة.
14- تحديد مكان مخصص رسمياً لإداء الصلاة في الجامعات.
15- تظليل نوافد صالة الرياضة أو المسبح في مدرسة، كي لا تتعرض الفتيات لأنظار.

القيم المشتركة

لعل المفاجأة الكبرى التي تعدت كل التوقعات هي، كما أسلفت،أن النقاش الرئيس ما عاد حول التوافقات أو الطلبات الخاصة بالجاليات الأثنية، فقد تحولت مداولات لجنة "التوافقات المعقولة" الى جدل دائر بين أهل البلد حول هويتهم، أو حول المقارنة بين القيم الأساسية والأصلية لأهل البلاد وتلك التي يطلب الى المهاجر الوافد أن يحملها معه ويدافع عنها، حرصاً على اثراء التعددية الثقافية التي تميز كيبيك. الأمر الذي دفع اللجنة لطرح السؤال التالي: هل تعتقدون أنه من المجدي اعادة تقييم الهوية الكيبيكية على مجموعة من القيم المشتركة؟ والمقصود هنا القيم المشتركة بين أبناء البلاد الأصليين والوافدين القدامى والجدد. اذن الحديث أصبح حول تحديد ماهية القيم الأصلية وتلك المستوردة من أجل تحديد هوية كيبيك، كما يريدها أهلها الأصليون، وكما يريدها أهلها الوافدون الجدد.
بات مؤكداً أن ما ستخلص اليه اللجنة لن يكون مؤثراً فقط على حقوق أو ميزات الوافدين، بل ستطال التوصيات، فيما لو أخذت بكل ما تم تداوله أثناء اجتماعاتها بالجمهور، القيم الأساسية التي قام عليها المجتمع في كيبيك منذ اكتشاف البلاد وحتى الثورة الهادئة التي أعادت تقييم العديد من مكونات هذا المجتمع، بما في ذلك قيم السكان الهنود الذين كانوا سكان البلاد قبل نحو وأربعمائة عام.
ومن أجل ايفاء الموضوع حقه من الوضوح، أذكر أن القيم التي نتحدث عنها هي بالنسبة لأهل البلاد اللغة الفرنسية والديانة الكاثوليكية، أما قيم الوافدين فهي غالباً الممارسات الدينية والمظاهر التي تتعلق بالطقوس المختلفة من مسلمة، يهودية، بوذية وغيرها. أما القيم الحقيقية لمعظم أبناء
مرة أخرى نطرح السؤال المؤلم : هل للعرب حضور في هذه الجمهرة الديموقراطية المنظمة والمصيرية؟ وإن كانوا حاضرين، فما هي القيم التي سيطرحونها لتكون موضوع شراكة مع الغير؟ هل نتقاسم فقط كل ما في ديانتينا المسيحية والاسلامية من قيم مشتركة، كالتسامح والمحبة وفعل الخير، أم أننا سنتمسك، كل من جهته، بالمظاهر الخادعة التي لا تجدي نفعاً عندما يحين الأوان، كالخلاف على الحجاب أو أماكن أداء الصلاة أو فصل الذكور عن الاناث؟ ولكن لنتساءل قبلاً، هل سيقبل أهل البلاد الذين يشكلون الأغلبية العظمى من السكان، تقاسم قيمهم مع القيم الغريبة عنهم والوافدة اليهم من أصقاع الأرض، أم أنهم سيتمسكون بقيمهم القديمة، ومنها استعادة الدين لمكانته المعروفة في الحياة الاجتماعية العامة والخاصة؟ أم سيختلفون في هذا الأمر وتضيع الفرصة على الجميع، فرصة خلق مجال عام محايد ينعم فيه الجميع برخاء العيش المشترك وتتمتع فيه الأجيال القادة بحسن الجوار والتأخي بين أبناء البلد الواحد؟
هذا ما ستكشفه لنا الأيام، وربما قد تخلص اليه لجنة بوشار – تايلور التشاورية.
"المستقبل" على موعد مع قرائها في الأسابيع القادمة لمتابعة أعمال اللجنة واستعراض أراء الشخصيات الهامة الأكاديمية، السياسية، الدينية والشعبية، التي اتصلنا بها لاستطلاع آرائها، علنا نخلص جميعاً الى رؤية مشتركة تنير لنا ولمجتمعنا دروب المستقبل.

الأسئلة التي تطرحها "المستقبل"
للتداول والنقاش مع قرائها الكرام

1- بصورة عامة كيف تقيمون، باختصار، نظام اندماج المغتربين الجدد في المجتمع الكيبيكي
2- هل تعتقدون أن اثارة موضوع "التوافقات المعقولة" على هذا المستوى يساعد على تحقيق غاية التضامن الاجتماعي والتعايش المشترك المنشودة؟ ما هي برأيكم العناصر التي أدت الى تضخيم هذا الموضوع ؟
3-  صيغت الأسئلة العامة الموجهة من قبل اللجنة، وعددها يزيد عن العشرين سؤالاً، بطريقة يغلب عليها الطابع الديني، كالتركيز على رفع الصليب من قاعة الجمعية العمومية، الغاء مظاهر الاحتفال بعيد الميلاد في المؤسسات العامة وأماكن العمل، الغاء الصلاة التي تفتتح بها جلسات مجالس البلديات، ترتيبات خاصة في المدارس والجامعات لدوافع دينية، ارتداء الحجاب وغيرها ... ما هو موقع الدين، برأيكم، في المجتمع؟
4- هل ترون موضوع التعايش المشترك متوقفاً على الاختلاف في المظاهر الدينية، أم هو أعمق من ذلك؟ أو بشكل عام : هل قضية المعتقد الديني هي وحدها العقبة أمام العيش المشترك في المجتمع الكيبيكي؟
5- بصفتك عربي / عربية الأصل، ماذا يمكنكم أن تقولوا لرئيسي اللجنة السادة بوشار وتايلور؟ أو بطريقة أخرى : فيما لو أتيح للجالية العربية موحدة (مسلمون ومسيحيون) أن تسمع صوتها للجنة، فماذا باعتقادك سيكون المطلب الأساسي الذي ترجو الجالية أن يتحقق في كيبيك (أو بمعنى آخر ما هي الأولويات لدى الجالية العربية) بخصوص التوافقات الخاصة ؟ وأي فارق يمكن أن نجد بين مطالب الجاليات العربية والجاليات المسلمة؟
6- مهما كانت المقررات أو التوصيات التي ستخلص اليها اللجنة، برأيكم، هل يتحقق "التعايش المشترك" بالقرارات والتعليمات، أم بالتفاهم المبني على المعرفة المشتركة والتفاهم المتبادل بين جميع أطراف المجتمع؟
7- هل تعتقدون أن الحكومة الليبرالية في كيبيك قادرة على تحويل نصائح لجنة بوشار – تايلور الى اجراءات عملية للمساعدة على تحسين سياسات الهجرة والاندماج الاجتماعي؟
8- يقال بأن الاسلام ضحية مؤامرة خارجية تهدف الاساءة اليه لأغراض سياسية، ألا تراه ضحية تصرفات متطرفة صادرة عن قلة قليلة من أبنائه تتيح المجال وتسمح للغير الاساءة الية؟
9-  هل ترون الاسلام مجرد اداء لفريضة دينية فقط أم أنه مشاركة أكبر وأوسع في الحياة السياسية. وإن كان المقصود هو المشاركة السياسية، فالى أي مدى ترونها ممكنة؟
10-   بالرغم من الجهود المتواضعة المبذولة، هل تعتقدون بأن سكان كيبيك الأصليين يعرفون عن الدين الاسلامي ما يجب أن يعرفوه؟ ألا ترون أن تمسكهم بموضوع الحجاب وبعض المظاهر الدينية الشكلية هو مجرد ذريعة لتغطية جهلهم بحقيقة الاسلام؟
11-   طرحت جريدة المستقبل منذ مدة سؤالاً مفتوحاً: لماذا يكرهوننا؟ برأيكم هل تمسكنا بديننا وايماننا ومعتقداتنا وعاداتنا وحفاظنا عليها وحرصنا على ممارستها هي احدى أسباب الموقف العدائي للبعض تجاه العرب والمسلمين؟
12-   العرب كعادتهم، أينما وجدوا، كما في أوطانهم الأصلية، عاجزون عن اتخاذ موقف واضح وصريح ومحدد من أي شأن يتعلق بهم. هل تعتقدون أن الجاليات العربية في مونتريال قادرة اليوم على توحيد وجهة نظر بخصوص ما يجري من مداولات حالياً حول موضوع يعنيهم مباشرة وتنعكس نتائجه عليهم وعلى الأجيال القادمة من بعدهم؟

نبذة مختصرة عن شخصية رئيسـي اللجنة

الدكتور جيرار بوشار، مؤرخ وعالم اجتماع، استاذ العلوم الانسانية في جامعة كيبيك بشيكوتيمي. حصل على دكتوراه في علم الاجتماع عام 1971 من جامعة باريس. باحث له عدة برامج معتمدة في علوم السكان والاثنيات. له مئات المؤلفات كان آخرها هل ثقافة كيبيك في أزمة؟ حاصل على عدد من شهادات التقدير والجوائز الحكومية، وعلى وسام الشرف الوطني من رتبة فارس بفرنسا. عضو في أكاديمية الآداب بكيبيك وفي الجمعية الملكية بكندا.
الدكتور شارل تايلور، مؤلف وفيلسوف، أستاذ متقاعد للعلوم السياسية والفلسفة في جامعة ماكجيل. مجاز بالتاريخ من نفس الجامعة عام 1952، وحاصل على دكتوراه العلوم السياسية والفلسفة من جامعة اكسفورد عام 1961. درس في عدد من الجامعات الأمريكية والألمانية الشهيرة وحصل على العديد من شهادات التقدير والمناصب الفخرية الرفيعة. معظم مؤلفاته العديدة تتناول مواضيع التعددية الثقافية، الهوية، الحداثة، المذهبية والديموقراطية.

الى العدد القادم.