محمد حسين الأطرش | د. إبراهيم الغريب | جورج معلوف
د. عبد الأحد قريو
| سمير عطا الله | عصام لحام
محمد علي فرحات
| نزار حمود | د. سميح مسعود


كيبيك في ميزان الأزمة
د. عبد الأحد قريو

تختلف مقاطعة كيبيك عن غيرها من المقاطعات الكندية، ليس فقط في مسألة اللغة الفرنسية التي تعتبر مسألة جذرية في موضوع الهوية الكيبيكية، بل في طبيعة شعبها، وفي ظاهرة التعددية الثقافية والاثنية، إضافة إلى ما تتميز به من جمال طبيعي ساحر جعل منها قبلة السائحين في العالم.
ما يهمنا في هذا الجانب هو اختلاف المقاطعة الفرنسية إقتصاديًا عن شقيقاتها في المقاطعات الأخرى، حيث يعتبر النمط الاقتصادي العام السائد فيها يميل إلى الوجه التقليدي القديم، ما جعل من كيبيك حالة فريدة في طبيعة العلاقات التجارية والانسانية، إذ إن اقتصادها بني على قياس التعدديات التي تكوّن مجتمعها سواء كانت إيجابية أو سلبية كما سنرى لاحقًا.
على الرغم من تنوع الاثنيات في كيبيك، وعلى الرغم من انتشار خليط بشري هائل وخصوصًا من الأصول العربية والايطالية واليونانية بشكل كبير قياسًا مع الجنسيات الأخرى، فقد طغى الطابع التقليدي «البدائي»، كما يعرف في عالم الاقتصاد الحديث، والذي يتصف بالعلاقات التجارية البسيطة بمفهوم علم الاقتصاد، حتى في المؤسسات التجارية الكبيرة التي ما زالت تعتمد هذا الاسلوب في طريقة إدارة العملية التجارية «البسيطة»، والقائمة في جوهرها على مبدأ الصراع الحاد بين طرفي العملية بهدف تحقيق الفرصة الأفضل والكسب الأكبر على حساب الطرف الآخر.
قد يقول قائل، إن هذا المفهوم يكاد ينطبق على مجمل العلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية وغيرها التي تحكم علاقات الدول والأفراد، هذا صحيح، لكن يجب ألا ننسى أبدًا ضرورة توفر توازن المصالح والمنافع بحيث يكون الحصول عليها متناسبًا طردًا مع وضع السوق العام، وإن منطق الاستفادة الكاملة من الطرف الآخر يجب أن يأخذ بالاعتبار مصالح هذا الطرف من أجل استمرارية العلاقات وتطويرها، وبالتالي من أجل توسيع هذه العلاقات ومدها لتساهم في تكامل الدورة الاقتصادية.
ومن أبرز سلبيات هذا النموذج المعتمد هو الحكم على العلاقات التجارية بالانهيار شيئًا فشيئًا، لأن العملية التبادلية في هذه الحال إما أن تتم لمرة واحدة أو لا تتم أبدًا. وهذا طبعًا ما يجعل حركة العمل التجاري في المقاطعة يسير بصورة بطيئة وبشكل محدود بسقفه وآفاقه.
بيد أن هذا المنهج قد أنتج خاصية إيجابية أخرى وهي أن كيبيك بقيت إلى حد ما أقل تأثيرًا بانعكاسات الأزمة المالية والاقتصادية التي تعمّ العالم، والتي أرخت بظلالها على كافة المقاطعات الكندية الأخرى، على مختلف المستويات.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال، هل أن ما يحصل تجلريًا واقتصاديًا في كيبيك صحيح لأنه استطاع أن يحافظ ، ولو إلى حد معين، على وضعها المالي العام؟
إن الجواب على مثل هذا السؤال يمكن أن يكون بنعم أو لا.
لماذا نعم؟ لأن هذا الأسلوب تمكن بصورة مؤقتة من حماية النظام الاقتصادي، كما تمكن من المحافظة على الحد الأدنى من الحركة التجارية في المقاطعة.
أما الجانب السلبي الآخر، المتمثل بالاجابة بلا على السؤال، فهو أن كيبيك لم تكن لتتمكن من تأمين هذه الحماية لولا اعتمادها على جانب المساعدات الفدرالية، التي تلعب دورًا أساسيًا في استقرار الوضع المالي فيها.

ما هو الصحيح إذن في هذه المعادلة؟

الصحيح هو ضرورة الانتقال في مفهوم العلاقات التجارية إلى مرحلة أكثر تقدمًا وحداثة، تتوخى المحافظة على مصالح كل الأطراف في ما يتلاءم مع مستوى الأسعار أو الارتباط التجاري، مع حق الاستفادة من المساعدات الفدرالية للحكومة المحلية وتدعيم هذا التطور وتحويل المنطقة من الدرجة الثانية أو الثالثة التي هي عليها الآن، إلى الدرجة الأولى، عن طريق الابتعاد عن فكرة الانتهازية في أي عملية تجارية وعلى كل المستويات، بحيث يتناسب النمط الاقتصادي في هذه المقاطعة الفرنكوفونية الوحيدة في الشمال الأميركي مع فرادتها ومزاياها التعددية التي تؤهلها للعبور إلى العالمية وتأكيد حضورها ودورها في المحيط الكندي والعالمي.