جورج معلوف | عصام اللحام | د. سميح مسعود | طارق قديس



الاقتصاد الفلسطيني
بين الدمار والاستثمار

بقلم : الدكتور سميح مسعود

يترسخ دمار الاقتصاد الفلسطيني أكثر فأكثر مع استمرار الاحتلال، تتبلور أثاره من عام إلى أخر في زيادة معدلات البطالة، والضغوط التضخمية، وارتفاع متواصل في نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر، حيث تقدر الان بنحو 80% في قطاع غزة، ونحو 65% في الضفة الغربية، مما يعكس قساوة الحياة المعيشية للمواطنين بكل ما فيها من بؤس وشقاء.
يدفع الشعب الفلسطيني أثمانا باهظة جراء الاحتلال ، ويدفع الان أهل غزة المزيد، خاصة النساء والاطفال والشيوخ والمرضى الذين يعيشون باقل متطلبات الحياة من الخبز والماء والدواء والكهرباء، في وقت يبلغ فيه الصراع ما بين الاشقاء درجة قصوى من السخافة والسخرية، وتدخل فيه الاوضاع الفلسطينية في فوضى مأساوية مريعة بوجود حكومتين متعاديتين في الضفة وغزة.


وسط هذه الاجواء نجد أثرياء فلسطين يفردون أجنحتهم على مساحة واسعة من الوعود المتناثرة...
أخر وعودهم برزت في مؤتمر إستثمار عقد في نابلس... هو الثاني بعد مؤتمر بيت لحم للاستثمار الذي عقد قبل فترة قصيرة من الزمن... رجال اعمال كثر من داخل فلسطين وخارجها ساهموا في المؤتمر الجديد... عبروا في خطبهم عن إهتمامهم بتحقيق مستقبل اقتصادي زاهر لمنطقة شمال الضفة الغربية.
ألقيت خطب كثيرة في المؤتمر، وتوالت الوعود التي ستضم الى ملفات وعود خطب اخرى ألقيت في الماضي في مؤتمرات وندوات كثيرة... كانت مجرد وعود لم تترجم الى واقع ولم تحسن من احوال المواطنبن. وأقتبس هنا ملاحظة اكثر دلالة في هذا الشان ذكرتها جريدة القدس ( المقدسية ) حول إنعقاد مؤتمر نابلس (في عددها الصادر بتاريخ 23-11-2008 ) مفادها : "...إن الحديث الذي يسمعه المواطنون من أصحاب العلاقة في مؤتمرات الاستثمار اكبر بكثير مما يتحقق فعلا، ولم يلمس المواطنون بعد مؤتمر بيت لحم مثلا ترجمة فعلية للأقوال التي ألقيت والخطب التي ألقيت ، ونأمل أن تتحسن الاوضاع وان تتحقق المشاريع التي نسمع عنها ..."
وبطبيعة الحال هذه الملاحظة لا تنفي تحقيق إنجازات إستثمارية محدودة على أرض الواقع... حيث ُيلاحظ - رغم الظواهر السلبية التي تعتري الاستثمار في الاراضي الفلسطينية - وجود مشاريع ناجحة تم تنفيذها في السنوات الماضية من قبل قلة قليلة من أثرياء فلسطين، حققت لهم مكاسب مالية كبيرة، وأتاحت لهم مصدرا جديدا لزيادة ثرواتهم على حساب الفقراء... زادتهم مشاريعهم ثراء ولم تساهم في سد إحتياجات المواطنين ومتطلباتهم الحياتية الضرورية، ولا في تحسين نوعية ظروفهم المعيشية، وفي توليد فرص عمل جديدة تساهم في حل مشاكل البطالة المستعصية.
إن إنقاذ الاقتصاد الفلسطيني لا يتم بعقد مؤتمرات الاستثمار وإلقاء الخطب الرنانة وتنفيذ المشاريع المربحة للأثرياء فحسب، بل بإعتماد برنامج يعيد ترتيب الاوضا ع الاقتصادية على اسس مدروسة تأخذ بعين الاعتبارأربعة أمور أساسية، أولها، إنهاء الانقسام الداخلي لبث الطمأنينة في نفوس المستثمرين وتعزيز ثقتهم بالبيئة الاستثمارية الفلسطينية بعد حالات القلق التي أصابتهم من جراء الصراع على السلطة وشق الصف الفلسطيني، وثانيها توفير إدارة سليمة عصرية بعيدة عن المحاسيب والأزلام والمصالح الشخصية واقتسام المكاسب، وثالثها، حفز أثرياء فلسطين على جعل مصلحة الوطن فوق مصالحهم الشخصية ومكاسبهم الانية وان يضعوا فلسطين اولا وفوق اي إعتبار.
ورابعها، إعطاء أولوية قصوى للمشاريع القادرة على تخفيف حدة البطالة ووطأة الفقر وتحقيق حالة معيشية إنسانية للمواطنين، توفر لهم نوعية حياة كريمة تمكنهم من إشباع حاجاتهم الانسانية بكل أشكالها المادية والاجتماعية والمعنوية والنفسية ... ويمكن الاستفادة في هذا المجال من تجربة الدول الفقيرة ألاقل نموا التي تتزايد فيها معدلات البطالة، ويلقي الجوع عليها بظلال كثيفة، اذ تهتم هذه الدول بالاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة كثيفة الاستخدام للعمالة في مختلف القطاعات، خاصة في مجال الاعمال الحرفية ومشاريع التنمية الريفية المتكاملة.
كما تولي هذه الدول الفقيرة أهمية خاصة بكل ما يتعلق بتوفير التمويل اللازم لذوي الدخول المحدودة والعاطلين عن العمل وصغار المستثمرين والخريجين الجدد، لتنفيذ مشروعات صغيرة اوتطوير مشاريع قائمة تساعد على إيجاد فرص عمل جديدة، إضافة إلى توفير الائتمان الميسر للاسر المنتجة ذات الدخول المحدودة، والتي تضطلع بمشروعات متناهية الصغر مدرة للدخل لهم ولأسرهم.
هذه هي المشروعات الاستثمارية المطلوبة ... إنها الاكثرأهمية وإلحاحا لتحصين الاقتصاد الفلسطيني وتعزيزمقومات البقاء والعيش الكريم في الاراضي الفلسطينية... فهل يفلح أثرياء فلسطين في حشد التمويل اللازم لمثل هذه المشروعات ؟
هل من ُمستجيب ؟