للسينما
السورية هموم ٌ وشجون ٌ خاصة بها شأنها بذلك شأن أي شيء آخر سوري الجنسية . الهم
الأول والأهم ربما هو أنها كانت ومازالت سينما واجهات عرض ومهرجانات وجوائز وأضواء
فقط. الهم الثاني هو هم الرقابة والرقيب الذي يبدأ بالسيناريو فيمنع هذه الجملة هنا
ويشذب هذا القول هناك. ثم يصل إلى المشاهد التصويرية فيلغي هذا ويعدل ذاك وفقا ً
لما يعتقد أنه مناسب وموافــق للوضع السياسي والاجتماعي في البلد. الهم الثالث لهذه
السينما أنها قطاع حكومي بحت. أي أنها قطاع عام. وما ينطبق على القطاع العام في
بلاد العرب أوطاني عموما ً ينطبق على المؤسسة العامة للسينما السورية! فالفساد
والرشوة والواســـطة والمحسوبية والبيروقراطية كلها موجودة، فاعلة ٌ ومنفعلة بما
يجري حول هذه المؤسسة من أحداث وصعود أسماء وهبوط أخرى. الهموم كثيرة ... لكني
سأتوقف عند الهم الثالث لأدخل في صلب الموضوع وهو مشاهدتي لأحد إنتاجات هذه المؤسسة
العامة للسينما. فلقد شاهدت بالأمس القريب فيلم الكومبارس للمخرج السوري الكبير
نبيل المالح.
ينتمي سالم و ندى، بطلا الفيلم، لطبقة المسحوقين اجتماعيا ً وماديا ً، الباحثين
وبصعوبة عن لقمة العيش الشريف. هو طالب في كلية الحقوق وعامل في محطة وقود وكومبارس
في المسرح القومي وهي أرملة بدون أولاد تعيش في كنف أخيها بعد رحيل زوجها. تجمع
البطلين قصة حب كبير. لم تعد اللقاءات العديدة في المقاهي والحدائق العامـــة كافية
لاحتواء دفق الحب الذي يشملهما. يطلب سالم من زميله الجامعي طالب الهندســـة، إعارتـــه
لمدة ساعتين فقط شقته المغبرة والمتواضعة كي يختلي فيها بالمحبوبة الحلـــم... وهنا
يبدأ الحدث. تدور أحداث الفيلم كلها في هذه الشقة. بطلها الغائب الحاضر هو الخوف أو
الرعب ربما بكل ماتحمله هذه الكلمة من معنى. خوف سالم وندى من أن يفتضح أمرهما من
قبل الجيران وأخ ندى وكل من يهمه ولايهمه الأمر. الخوف من المساءلة القانونية...
فهذه الخلوة ممنوعة قانونا ً ويحق لشرطة الآداب التدخل لتصحيح الوضع. يضاف إلى كل
ذلك... أن شاءت الأقدار وحظهما العاثر أن تداهم قوى الأمن السياسي شقة أحد الجيران
لاعتقال عازف عود أعمى مع ما يعني ذلك من طرق على الباب وسؤال وجواب وعنف مبطن
وظاهر. حدث ٌ مكثفٌ للغاية زمانا ً ومكانا ً. ينتهي كل ذلك بصفعة قوية من أحد عناصر
دورية المداهمـــة التي حققت هدفها الصعب واعتقلت الجار الأعزل والأعمى عازف العود.
سبب الصفعة... أن سالم ممثل الكومبارس في المسرح القومي... لم يتحمل طرق الباب
وصراخ عازف العود واستغاثاته المتتالية طلبا ً للمعونة والدعـم. ففتح الباب وتجرأ
وطلب من عناصر الدورية إبراز أمر الاعتقال. فهـــو طالب حقوق في نهاية الأمر.
ويفترض به أنه يعرف القانون جيدا ً ويعرف أن للإعتقال أصول... وأنه لابد من أن يكون
آمر الدورية الأمنية قد حصل على إذن تفتيش واعتقال... لقد نسي سالم لوهلة أنه
كومبارس وأنه يتوجب عليه أن يكون دائما ً على هامش ما يجري. نسي أنه في حياته
اليومية مجرد كومبارس يكافح ليل نهار في عمله على محطة الوقود ولايحق له أن يسأل عن
سبب حرمانه من امتلاك سيارة بينما هو يملأ سيارات الآخرين الفارهة وغير الفارهة
بالوقود. لايحق له أن يحب وأن يتزوج لصعوبة... بل استحالة الوصول لسعر الشقة
ومتطلبات الزواج، هذا إذا استطاع أن ينسى إعالته لأبيه العاجز وأمه وأخوتـــه
الصغار. لا يحق له أن يفعل أو أن يغير أو أن يقول. هو كومبارس والمطلوب منه أن يبقى
كذلك وأن يبدع بدوره على خشبة المسرح أو خلف مضخة الوقود. لقد نسي سالم لوهلة...
تحت ضغط صرخات جاره واستغاثاته أنه كومبارس وأراد أن يكون فاعلا ً ... فتلقى صفعة
أردته أرضا ً تحت نظر وسمع ندى الغالية التي كان لتوه يحاول إيهامها وإيهام نفسه
بأنه رجل ٌ سيد ٌ حرٌ فاعل. صفعة ٌ واحدة ٌ قتلت كرامته ورجولته وأعادتـــه لقفص
الكومبارس الذي حاول لثانية فقط تجاوز قضبانـــه الفولاذيـــة اللامرئية.
لاأدري إذا كنت أستطيع القول إننا نحن العرب جميعا ً ودون استثناء.. كومبارس. نلعب
الأدوار المسموح والمصرح لنا أن نلعبها، لا أكثر ولاأقل. أن نرى حكمة الملك العادل
ونعجب بها... هذا مسموح ومصرح به. أن نرى الخدمات الصحية تتراجع والخدمات التعليمية
تتهاوى والقضاء يتقوض تحت أيدي السماسرة... وأن نصمت... هذا مسموح. أن نكون طائفيين
ومحدودي الرؤية... مشرذمين مهمشين تافهين... هذا مسموح. أما أن نطلب من دورية الأمن
السياسي إذن التفتيش وفقا ً لدستور وقانون البلاد فهذا عقابه عسير. أن نطالب
بالتساوي الضريبي بين كبار التجار وصغار الموظفين فهذا من الكبائر أيضا ً. أن نملك
رؤية أخرى لإدارة البلاد ومقدراتها فهذا من الكبائر. أن تكون مواطنا ً لك حقوق هذا
ممنوع. أن تكون كومبارسا ً...هذامسموح للغاية. مقولـــة فيلم نبيل المالح مؤلمــة
للغاية ورسالته وصلت بكل وضوح. فهل من مجيب؟
يقول الشاعر ابراهيم اليازجـــي (1847-1906) شاعر النهضة العربية في بدايات القرن
العشرين: