|
أصداء
التحوّل الجنبلاطي
د. إبراهيم الغريب
رغم
كل الأصداء، وفي غالبها سلبية لدى العامة، التي أثارتها ظواهر التحولات السياسية
لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، أبقى، مع آخرين بالطبع، من
المعجبين جدا بالذكاء الخارق، وبالحكمة، التي عمرت تحركاته منذ يوم حزب الله «المجيد»
في الهجمة على بيروت في السابع من أيار، وخاصة بعد الرد الساطع على هذه الهجمة في
السابع من حزيران وفوز أحزاب الرابع عشر من آذار بأغلبية أعضاء المجلس النيابي.
التحوّل الجنبلاطي هذا، أبرز، وأشدّد هنا، عند العامة فقط، تساؤلات عدة حول مصداقية
ما كان يروّجه فرقاء الثامن من آذار في لبنان، والذين يطلقون على أنفسهم لقب
المعارضة، والأصدق المعترضين، من أنّ وليد جنبلاط، مع حفظ الألقاب، لا يثبت على
موقف، وهو سريع التبدّل والتبديل، وأن هذا الرجل لا يسير إلاّ في الدروب التي تؤمّن
له مصلحته السياسية، من جهة، ومصلحة الطائفة الدرزية من جهة أخرى، وأنه لا يؤمن
بصداقات، ولا بتحالفات دائمة، والدليل على ذلك انقلابه على الشام، بعد تحالف استمر
29 عاما، وعلى التحالف الرباعي الذي أعطى فريق 14 آذار أغلبيته التي شبّهت آنذاك
بالصورية، وعلى حكومة «الوحدة الوطنية» عبر الإنتقادات التي وجهها وزيره في الحكومة
غازي العريضي للرئيس السنيورة، واليوم على تجمع «لبنان أولا» الذي وصل معه ومع
أحزاب 14 آذار إلى الغالبية في الإنتخابات الأخيرة، وهذه المرة غير الصورية، بعد
اعتراف المعترضين بهزيمتهم فيها.
رغم كل هذا التساؤولات، لدى العامة، أرى ومراقبين آخرين، أن وليد جنبلاط، الذي كان
له الفضل الأكبر في انتصار ثورة الأرز، يتصرّف اليوم من عمق التراث الحقيقي للبنان
بذكاء وحنكة لم يعرفها من قبل سياسي آخر، عرف معنى «لبنان أولا»، وجاهر به آن كان
يجب أن يجاهر، وأنتصر له في فترة هرول فيها الآخرون للزحف على التصدي له.
بعد هجمة السابع من أيار على بيروت، وعدم تواني حزب الله عن استعمال سلاحه بوجه
مواطنيه، تيقّن وليد جنبلاط، أنه وحلفاءه، ولبنان، سيكونون ضحية عنف دموي آخر، على
غير الطريقة التي ووجه بها أحرار ثورة الأرز، اغتيالا وقتلا، إنما هذه المرة تدميرا
وإفناء، فعاد إلى جذوره، وإلى مباديء ثورة الأرز، لينقذ، وحلفاءه، لبنان أولا،
وبحنكة سياسية، وبذكاء خارق، استنبش تراثنا، تراثنا الحقيقي، ليواجه هذه الهجمة
الشنيعة، ولكن بعد أن أعطى مهاجمي الجبل درسا في التصدي، بـ «المداراة»، وما أدراك
ما المدارة، التي تسمّى دبلوماسيا «الإنفتاح» على المعترضين، انطلاقا من أمثالنا
الشعبية، وقيمنا وتجاربنا، لوقف هدر دماء الأحرار أولا والأبرياء ثانيا، وصيانة
الاستقرار المجتمعي اللبناني، ما يكرّس في الواقع «لبنان أولا».
فوليد جنبلاط لم يتخلّ عن «لبنان أولا» ولم يبتعد عن انجازات الثورة في الرابع عشر
من آذار ضد الوصاية وسلطتها، ولم يفكّ تحالفه مع قوى الرابع عشر من آذار، كما يعتقد
العامة، فالذي حقّق مصالحة الجبل رغم كل المعاناة التي ضربت المهجّرين والمقيمين،
والذي صبر 29 عاما على منفذي جريمة اغتيال الشهيد كمال جنبلاط، والذي لم تخفه
غوغائية احتلال قلب العاصمة لأكثر من سنتين، ومنعت على أحرار لبنان، وممثلي شعبه،
التحرك وشلّت أعمال المجلس النيابي، رغم إيجابية هذا الشلل في آنه، من غير المعقول
أن يحوّل في مبادئه، وفي تطلعاته، وفي رؤيته لواقع «لبنان أولا» كما يفهمه الأحرار
والمناضلون، بل على العكس، فيه العزيمة الصادقة، لإكمال تحقيق مباديء الثورة، مع كل
الحلفاء الذين خاضوها، وخاصة في هذا الظرف الدقيق في مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة
برئاسة رئيس تكتل «لبنان أولا» النيابي النائب سعد الحريري، الذي يرى في جنبلاط
الحليف الصادق والوفي في تجسيده لحقيقتنا ولتراثنا ولقيمنا في الإنتماء وفي
الإنتصار للحقيقة وللبنان. |