مريم، قصة وطن... | جائزة عبد الناصر... | سارة عباس...


Text Box: "مريم، قصة وطن"

Text Box: "مريم، قصة وطن"

                 "مريم، قصة وطن"                
الزهرة الرابعة      -    الورقة الثالثة

”متل الشالوحي”
- محمد حسين الأطرش -

كان المشهد استثنائياً، بيوت "كفر المنسي" لم يكن يتجاوز عددها المئتي بيت على أكثر تقدير وفي غالبيتها من الطين والحجر مع عدا طبعاً "علية" المختار التي شيدت بالحجر المقصوب. لم يكن صعباً أن تتلمس نظراتك بيوتها بيتاً بيتاً لتسحرك ببساطتها وتواضعها تاركة للعين فرصة التنقل براحة تامة بين طينها الأسمر وترابها البني. تصبح الألوان جزءا لا يتجزأ من ذاكرة المكان لذلك صعقت أم توفيق عندما وجدت "كفر المنسي" غير الذي تعرفه.
هي المرة الأولى التي يتجاوز فيها عدد الجنود الألف جندي وهي المرة الأولى أيضاً التي يدخل فيها "كفر المنسي" الجيش الوطني على اعتبار أن وحدات الجيش التي اجتاحت "كفر المنسي" تحمل فوق آلياتها العلم اللبناني وهؤلاء الجنود هم لبنانيون أيضاً.
عرفت "كفر المنسي" جنود الجيش التركي وإن لم يتجاوز عددهم في أكثر المرات الخمسين مثلما عرفت أيضاً جنود الجيش الفرنسي. والتقت بما يقارب المئة جندي بريطاني كانوا قد اتخذوا خلال الحرب العالمية الثانية مخيماً لهم في الطرف الغربي للبلدة ورغم وجودهم القصير الا أنهم استطاعوا إقامة علاقات جيدة مع الأهالي تركت في "كفر المنسي" الكثير الكثير، وربما لأول مرة من قبل جيش أجنبي، من الذكريات الطيبة.
لكن المشهد كان مختلفاً تمام الاختلاف، جنود في حالة تأهب قصوى يصرخون، يوجهون بنادقهم الى كافة المنازل، أهالي كفر المنسي يخرجون الواحد تلو الآخر مرفوعي الأيدي. اطلاق رصاص ترهيبي في الهواء بين الحين والآخر، يتذكر توفيق بعد ذلك بسنوات بأن ما حصل كان فعلاً اجتياحاً.
صراخ، أوامر بالتوقف ورفع الأيدي في الهواء وطقطقة السلاح من كل صوب وعينا أبو مريم لا تفارقان الكنز المحمول بين يديه. توقفت قافلة أبو مريم، أوقفها توفيق، جاء صوت العسكري "إرفع يديك في الهواء" لم يجبه أبو مريم، هدده بالسلاح، لم يكترث أبو مريم، لم يكن عقله بينهم، أخبرهم توفيق بأنه يحمل ابنه الجريح من جراء القصف فجاء صوت المسؤول عنهم "لجهنم، خلي يتركوا ويرفع إيدي".
جاهد توفيق طويلاً حتى تمكن من أن يأخذ خالد من بين يدي أبو مريم وقام أحد الجنود بتفتيشه وصراخ مريم يزداد وأم توفيق تتوسل اليهم أن يتركوهم "حرام راح تولد معنا على الطريق" ويأتي صوت المسؤول من جديد "شو بدها تجيب، غير واحد وسخ متل أهلو".
لم يصمت أبو مريم يوماً أمام إهانة جندي تركي أو فرنسي لكنه هذه المرة ظل صامتاً كحجر. أتراه كان مازال يفكر في جرح خالد النازف من قلبه هو أم أنه لم يجد سبيلاً لمجابهة جنود الوطن وهو الذي دافع عنه قبلهم.
انتهت اجراءات التفتيش وطلب المسؤول العسكري من بضعة جنود مرافقتهم الى منزلهم لتفتيشه أسوه ببقية المنازل. حمل أبو مريم روحه من جديد وانطلق باتجاه المنزل وصراخ مريم يزداد حدة. كانت دروب "كفر المنسي" لا تشبه نفسها حصاد ومونة "كفر المنسي" كانت كلها مزروعة في الطرقات. أجاد الجنود اعادة رميها فوق تراب الدروب. كانت تلك هي وسيلة التفتيش بحثاً عن أسلحة ثقيلة. كُسرت خوابي الزيت والزيتون والدبس والتين والكشك والبرغل لم يبقوا على شيء. صورة أخرى لتدمير اقتصاد بدائي واذلال أهله.
فتح توفيق باب بيت أبو مريم وسبقهم الجنود الى داخله، لم يترددوا، فعلوا به مثلما فعلوا بباقي المنازل، قلبوا كل شيء رأساً على عقب، كسروا كل خوابي الفخار التي طالما اعتدّ أبو مريم بأنها قد تجاوزت العشرين وداسوا كل شيء، أحلام الناس البسطاء رزقهم المجبول بعرق الجبين وفرح أيامهم بشمس تأتي. عزّ على أبو مريم كثيراً أن المسؤول فيهم لم يتوان لحظة عن رمي نسخة من القرآن وأخرى من الإنجيل تحت قدمه. كثيرة هي نسخ القرآن والإنجيل ولكنها هدية صديقين شهيدين جمعته بهما أيام الثورة ضد الأتراك.
انتهت عملية الاجتياح الكبرى لـ "كفر المنسي" وتم التأكد بنجاح من خلو خوابي كفر المنسي من أي أسلحة تدميرية.
صيف عام 1958 لا يشبه أي صيف في ذاكرة أهالي "كفر المنسي" حتى ذلك التاريخ يمكن القول بأنها المرة الأولى التي يصاب فيها أهل "كفر المنسي" في أرزاقهم وكرامتهم. صيف عام 1958 ترك أيضاً في "كفر المنسي" جروحاً لم تندمل. جثث موتى وأصحاب اعاقات وقصص وحكايات لصيف غير حياة أهله وأبدلها رأساً على عقب وكل ذلك بأيدي الجيش الوطني الباسل الذي لم يشفع لكفر المنسي بعدها عن كل مغانمه ومغارمه ولكن كان عليها أن تتحمل وزر تدريب جيشه للحصول على شهادة في أفضل أساليب قمع أي انتفاضة أو ثورة كما أسموها.
"كفر المنسي" كانت حتى صيف عام 1958 لا تعرف من مؤسسات الدولة وهيبتها الا مخفر للجمارك لكونها بلدة حدودية لكن صيف 1958 ترك عندهم أيضاً مثلاً حفظته وطالما رددته في وصف أي شخص ذو ملامح قاسية ويتصرف بطريقة لا انسانية. "متل الشالوحي" سمعتها مرات عديدة ووصفت بها أشخاصاً مرات عديدة أيضا دون أن يستحقوا فعلا تلك الصورة ولكن أهل "كفر المنسي" مازالوا يذكرون "الشالوحي" قائد القوة التي دمرت أحلامهم بجزمة وطنية.