|
المستقبل وفنون تفتحان ملف العنصرية في كيبيك
لماذا يكرهوننا؟
بورك: مجتمعنا يستحق منا أفضل
من إطلاق تعابير التمييز العنصري أو التعصب
ديب: مجتمع كيبيك لا يكره العرب وثمة مسؤوليات على
الجالية تحملها
معلوف: الإعلام من جهة
والمتسوى المعيشي للعرب اثرا في النظرة العنصرية ضدنا
زعرور: المتطرفون هم
السبب المباشر للكراهية
خطار: هل تتوقع من الكيبيكي أن يذبح لنا "القرقور" والديك؟
فاعوري: علينا التوقف عن العيش في عالمين وتبني المجتمع
الجديد
لم تستفق كيبيك بعد من هول الصدمة التى احدثتها نتائج الاستطلاع حول العنصرية،
والذي نشرته صحيفة "جورنال دو مونتريال" على صدر صفحتها الاولى وتناقلته وسائل
الاعلام كافة، متعرضة للارقام المخيفة التي تبرز واقعاً عنصرياً شديد الخطورة لم
يكن بارزاً للعيان بهذه الصورة الواضحة من قبل. وبالرغم من تدخل رئيس الحكومة جان
شاريه ورئيس المعارضة اندريه بواكلير والكثير من الباحثين والمحللين للتقليل من شأن
الظاهرة والتشكيك في الظروف التقنية والموضوعية للاستطلاع، فان الاكيد ان لا احد
يستطيع بعد اليوم ان يتجاهل ان هناك مشكلة متفاقمة تنذر بمضاعفات اجتماعية هائلة
ومرشحة للتفاقم اذا لم يتم تناولها على محمل الجد والبحث في اسبابها ونتائجها
ومحاولة ابتكار حلول خلاقة لها من قبل كل الاطراف المعنية، من الحكومة المحلية الى
الحكومة الفدرالية مروراً بالمؤسسات والمجموعات الثقافية والمنظمات الاهلية. ويفيد
"الاستفتاء" ان ما يقارب الـ60% من الكيبيكيين يعتبرون انفسهم، بدرجات متفاوتة،
عنصريين، ويحتل العرب رأس "لائحة الكراهية" ليتبعهم اليهود والسود وغيرهم من
الاتنيات. ولو افترضنا ان هناك بعض الخلل في المنهج الذي سلكه القيمون على الدراسة،
فان اي تصحيح او تعديل او اعادة لن يجعلنا نبتعد كثيراً عن حقيقة صعبة ومرة مؤلمة،
كما انه لن يغنينا عن ضرورة النظر الى الظاهرة من دون وجل او خوف او تردد، ذلك ان
دفن الرؤوس في الرمال لا يوقف العاصفة ولا يجترح عجائب التغيير. ان الجاليات
العربية كافة، وهي المعنية الاولى بهذه الحقيقة الصعبة، مدعوة اليوم الى وقفة تأمل
وتفكير يليها فعل قادر على انتاج ما هو ابعد من منطق الضحية والقاء اللوم على الآخر
والبكاء على الاطلال. لماذا يكرهوننا؟ انه السؤال الاساسي الذي يجب ان تتبعه سلسلة
من الاسئلة ومحاولات الاجوبة والافعال، كي لا نستفيق يوماً لنكتشف اننا لا ننتمي
الى المدينة التى نحب، مونتريال، وانما الى ضواح تشبه والى حد كبير تلك التي تزنر
مدن اوروبا شرقاً وغرباً والتي يحمل سكانها جنسيات لا تفيد باكثر من انتماء... على
الورق
صحيفتا المستقبل وفنون تفتحان الملف، على صعوبته، توخياً لاستقصاء موضوعي ورغبة في
المساهمة الجدية والمسؤولة في البحث عن سبل عملية لاحتواء الظاهرة او، على الاقل،
تعديل مسارها في اتجاه الانحسار. لا يكفي بعد اليوم ان نتحجج بـ11 ايلول والارهاب
والاصولية والمشاعر المعادية في "غرب عنصري بطبيعته"، كما لا يكفي ان نتهرب من
انتماءات يلزمنا بها التاريخ والجغرافيا والمجتمع المضيف هامسين لانفسنا او للآخرين
اننا "لسنا عرباً" واننا "لبنانيون" او "مصريون" او "كابيل" او ما شابه... وعليه،
وابتداء من هذا العدد من "المستقبل"، نطرح على مسؤليين ومفكرين كنديين وعرباً
الاسئلة الصعبة، محاولين في الوقت نفسه ان نجد لديهم ملامح الحلول الممكنة، كما
ندعوكم، قراء وكتاباً، الى المشاركة الكثيفة في هذا الحوار وابداء الرأي بحرية
ومسؤلية، علنا نتمكن جميعاً من محاصرة الداء وانتشاره القاتل.
اولاً : ما هي اسباب الكراهية، المضمورة او المعلنة، للعرب في كيبيك؟
ثانياً : ماذا مدى مسؤولية العرب انفسهم عن تفاقم مشاعر العدوانية هذه؟
ثالثاً : ماذا فعلت، او لم تفعل، الجاليات العربية في كيبيك لمواجهة هذه الظاهرة؟
رابعاً : الى اي مدى تساهم سياسة "تعدد الثقافات"، العمياء احياناً، في انتشار
العنصرية؟
خامساً : ما هي مسؤوليات الجانبين، الكيبيكي والعربي، في ايجاد الحلول؟ وما هي هذه
الحلول؟
بيار بورك
بيار بورك الذي هاجر وعرف معنى العلاقة الجيدة مع الجماعات الثقافية كان يتمنى
دائما أن يكون هناك تبادل ثقافي فيما بين الجماعات والبلد. وأعطى مثلا مهرجان
العالم العربي الذي من شأنه خلق حوارات وجسور صداقة. وأجاب بالتالي:
في الحديث عن الملاءمات (التوفيقات) المعقولة المتعلقة بالثقافات المختلفة في كيبيك،
إليكم بعض أفكاري وتأملاتي فيما يتعلق بهذا الموضوع.
" يحب المرء جيدا ما يعرفه"
يأخذ هذا المثل عمقه عند الحديث عن مجمل الجماعات الثقافية وانخراطها(اندماجها) في
المجتمع الكيبيكي.
فيما يتعلق بي، فقد تركت كيبيك وعمري 19 سنة ، متوجها إلى أوروبا( بلجيكا تحديدا)
لمتابعة تحصيلي العلمي هناك مع طلاب آخرين عرب، أفارقة وأوروبيين. عشت معهم، تشاركت
معهم الحياة اليومية، و زرت بلدانهم وتفاعلت معهم وتأثرت بهم بقدر ما أثرت بهم
بدوري. خلال سنوات دراستي هناك، وبكوني غريبا ، فكرت أن أعيش مع غرباء مثلي لكن ذلك
لم يلغ فرصة إقامة علاقات وصداقات مع البلجيك.
إن ظاهرة الهجرة ليست جديدة في كيبيك وهي تعود إلى قرون عدة سابقة واني لأجد بعض
الغرابة في إثارة هذا الجدل حولها الآن وإطلاق تعابير عدة مثل التمييز العنصري أو
التعصب، فمجتمعنا يستحق منا ما هو أفضل من ذلك . من جهتي، فانا دائما أشعر أنني
بعلاقة جيدة مع الجماعات الثقافية المختلفة في كيبيك سواء كانت من أصل آسيوي،
إفريقي، أوروبي أو من أميركا اللاتينية.فأنا بالأساس رجل سلام ومشاركة واحترام
لباقي الأشخاص، .بتعبير آخر فانا رجل عالمي وأشعر بالراحة في أي مكان من العالم شرط
أن لا يكون هناك أي عنف يمارس.
إن ظاهرة الهجرة قد أخذت هذا البعد الهام في كيبيك في العشرين سنة الأخيرة بعد أن
هاجر إليها أشخاص من كافة أصقاع العالم.
إن أحداث 11 أيلول 2001 التي جرت في نيويورك لم تساعد بالتأكيد الجماعات الإسلامية
رغم كل الجهود التي بذلت في عدم نعت أو تشبيه أي شخص أو أي دين بالشياطين.
كنت دائما أتمنى عندما كنت رئيسا لبلدية منتريال وحاليا بصفتي مواطنا عاديا أن يكون
هناك تبادل ثقافي اكبر فيما بين الجماعات و مجمل البلد( كيبيك).
أعضاء كثيرين من ضمن هذه الجماعات وبالأخص الانغلوفون ( الناطقين بالانكليزية)
يتوجهون ببساطة اكبر إلى نيو يورك أو تورنتو أو السان جان او شيربروك منها إلى
كيبيك. إن الحكومة الكندية تتحمل مسؤولية مهمة في هذا الشأن لجهة تحسين شروط
التبادل وإقامة الروابط من خلال شبكة المدارس ومختلف الأنشطة الرياضية والثقافية
الخ.. . بالنسبة لي فجميع المهاجرين هم كنديين ويجب أن يعاملوا على أنهم كذلك.إن
العديد من المهاجرين الذين لم ينجحوا في التكيف تركوا كيبيك ونحن من خسر من جراء
ذلك إذ كنا بعيدين عنهم أثناء سنوات هجرتهم الأولى. (في السنوات الأولى التي تلت
هجرتهم).
أما فيما يتعلق بأولئك الذين ما زالوا يعيشون في مجتمعنا، فهم سوف يتأثرون بطريقة
معاملتنا لهم وبطريقة العيش هنا أكثر من أي وقت مضى. إن هذا هو التحدي الذي يواجهنا
اليوم والذي بإمكاننا التغلب عليه بعواطفنا، وبإرادتنا وعملنا المشترك والقليل من
الدولارات لكي يتمكن أولادنا من الانطلاق في مجتمع متعدد ومنفتح على العالم وذلك
بغض النظر عن الانتماء الأصلي لكل واحد منا. فيما يتعلق بالجماعات العربية ،
والإسلامية بشكل خاص فانه من البديهي إن الصراعات الحاصلة في الشرق الأوسط و في
لبنان من صراعات السنة والشيعة من جهة ومختلف الأحزاب المسيحية الأخرى من جهة ثانية،
من شأنها أن تؤثر وتسيء إلى صورة و سمعة هذا البلد صاحب التاريخ المشرف!
إن النشاطات المختلفة ومنها مهرجان العالم العربي من شأنها خلق حوارات وجسور صداقة
كالشغف الحاصل حاليا بالنسبة بعض الدول مثل المغرب و تونس على الصعيد السياحي
والجزائر على الصعيد الاقتصادي. إن العرب بصفتهم جزءا مهما من المجتمع الإسلامي هم
شرق أوسطيون ويشكلون مجتمعات مركبة غير أنهم ومنذ قرون يتعايشون بسلام مع غيرهم من
الشرق الأوسط مثل الاسبان والبلجيكيين والفرنسيين واليونانيين والأتراك. ونحن
أنفسنا في كيبيك نغرف من هذه الثقافة الواسعة وسوف يكون محزنا أن لا نكتشف نحن هذا
الثراء الناتج عن التنوع الثقافي!
Top
د.كمال ديب
في نص الرسالة التي دعتني فيها جريدة "فنون" إلى التعليق على موضوع العنصرية في
كيبك وجدت الكثير من المبالغة والتهويل ما لا يخدم القارىء وما قد يساهم في خلق
بيئة هلع مصطنعة في صفوف الجالية.
ومما جاء في الرسالة من "فنون": "لم تستفق كيبيك بعد من هول الصدمة التى احدثتها
نتائج الاستطلاع حول العنصرية... ، متعرضة للارقام المخيفة التي تبرز واقعاً عنصرياً
شديد الخطورة لم يكن بارزاً للعيان بهذه الصورة الواضحة من قبل... فإنّ الاكيد ان
لا احد يستطيع بعد اليوم ان يتجاهل ان هناك مشكلة متفاقمة تنذر بمضاعفات اجتماعية
هائلة ومرشحة للتفاقم اذا لم يتم تناولها على محمل الجد والبحث في اسبابها ونتائجها
ومحاولة ابتكار حلول خلاقة لها من قبل كل الاطراف المعنية...".
مبالغات وأوهام
هناك مبالغة في القول أن "كيبك استفاقت من هول الصدمة" نتيجة الاستطلاع، وكأنّ ما
كان قبل الاستطلاع هو غير ما بعده، كمن يستيقظ من النوم على عالم لا يعرفه، وكأن
هناك صدمة فعلاً (ومهولة فوق ذلك!). فلا أرقام الاستطلاع كانت "مخيفة" (مخيفة لمن؟)
ولا هي أبرزت "واقعاً عنصرياً شديد الخطورةً" (عن أي خطورة؟)، ولا كانت ثمة "مشكلة
تنذر بمضاعفات اجتماعية هائلة ومرشحة للتفاقم" (ما هي هذه المضاعفات الهائلة وكيف
تترشح للتفاقم؟). مبالغات انشائية لا أكثر لا تستند إلى بحث ومعلومة.
ولقد تريّثت في تلبية هذه الدعوة للكتابة حول هذا الموضوع حتى يهدأ خاطر من كتب نص
الرسالة وحتى يختفي وقع التغطية المؤذية التي تعاطى بها الاعلام العربي مع هذا
الموضوع. فليس هناك استفاقة مفاجأة ولا صدمة ولا وضع مخيف وخطير ولا مشاكل متفاقمة
ولا مضاعفات اجتماعية هائلة، الخ.
وأكاد أقول أنّ كل ما في الأمر مجرد استطلاع غير علمي للرأي العام أحيط بتغطية
اعلامية كبيرة من أجهزة التلفزة والصحف في كيبك. ولكن إعلام الجالية تعاطى مع الخبر
بنفس اسلوب التعاطي مع أخبار لبنان وفلسطين والعراق المتفجرة دوماً، مع تناسي أنّ
كيبك وكندا عامة هي بلاد متطوّرة ديمقراطية آمنة تحترم حقوق الانسان ويقف الناس في
الصف لشراء حاجياتهم وتتولى المحاكم تحصيل الحقوق حسب القوانين. بعكس بلاد العرب
حيث الانهيار والعنف والعنصرية والطائفية (وطبعاً نتيجة الاحتلالات والأنظمة
التوتاليتارية العربية، الخ).
ولا يعني ذلك أن العنصرية غير موجودة في كيبك ولا يعني أيضاً إهمال موضوع العنصرية
الذي هو موضوع حيوي وشائك ويحتاج للمعالجة.
بل نؤكد هنا أنّ ثمة عنصرية في كيبك وكندا وإن كانت أخف وطئة منها في أوروبا ولكن
الظواهر الاجتماعية ليست بنت ساعتها وفهمها يحتاج إلى أكثر من استطلاع واحد للرأي ,الى
الدراسات والاحصاءات الدقيقة للخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية
التي تؤطر علاقات المواطنين في مجتمع كيبك. وأنّ المسألة تتعدّى مانشيت عنوان جريدة
عربية صارخ في مونتريال حول العنصرية اختاره محرّر لم يصرف وقتاً في مساءلة الخبراء
وقراءة التقارير والكتب والمراجع عن تاريخ هذه البلاد وتحليل مجتمعها وتراكيبها.
دور الجالية
لقد أحسنت الرسالة من "فنون" في أنها لم تعف الجاليات العربية من المسؤولية تجاه أي
مشاعر عنصرية مفترضة تجاههم، بل وجدت الرسالة أنّ هذه الجاليات "معنية اولى بهذه
الحقيقة الصعبة ومدعوة الى وقفة تأمل وتفكير يليها فعل قادر على انتاج ما هو ابعد
من منطق الضحية والقاء اللوم على الآخر والبكاء على الاطلال".
وبهذه النية الحسنة طرحت الرسالة من "فنون" أسئلة مثل: ما هي اسباب الكراهية،
المضمورة او المعلنة، للعرب في كيبيك؟ وما مدى مسؤولية العرب انفسهم عن تفاقم مشاعر
العدوانية هذه؟ وماذا فعلت، او لم تفعل، الجاليات العربية في كيبيك لمواجهة هذه
الظاهرة؟ والى اي مدى تساهم سياسة ''تعدد الثقافات''، العمياء احياناً، في انتشار
العنصرية؟ وما هي مسؤوليات الجانبين، الكيبيكي والعربي، في ايجاد الحلول؟ وما هي
هذه الحلول؟
طبعاً لن أجيب على كل هذه الأسئلة في هذه العجالة وهي أسئلة وجيهة وتحتاج إلى طاولة
نقاش مستديرة تضم أكاديميين وممثلين لجمعيات مدنية جاليوية وعاملين في الشؤون
الاجتماعية من البلدية والمحافظة والحكومة الفدرالية. وحسناً فعلت حكومة كيبك مؤخراً
تعيين لجنة لدراسة موضوع العنصرية في كيبك.
نعود إلى عنوان الموضوع وهو "لماذا يكرهوننا؟ "، الذي لا أوافق عليه ولا أدرك معناه
لأنه يقسم بين مجتمع كيبكي من أصل فرنسي ومجمتعمات كيبكية من أصول اثنية بعضها عربي
وآخر أفريقي.
فلا يجب أن نهمل أن نفس الاستطلاع أظهر ايضاً أن نسبة عالية من ابناء الجالية لا
يشعرون بعنصرية تجاههم وأنّ بعض أبناء الجالية قد توزجوا من فرنسيين وفرنسيات أو من
اثنيات أخرى أو اندمجوا كلياً في المجتمع الكيبكي وباتوا لا يتكلمون العربية ومنهم
من لا يزر لبنان أو أي بلد عربي قط.
فثمة خطأ جسيم في جعل المجتمع في كيبك فريقين: فريق "يكرهنا" وفريق آخر (العرب أو
أقليات أخرى) يتعرّض للعنصرية. هناك أفراد عنصريون، فرنسيون أو عرب أو آخرين وهناك
أفراد غير عنصريين ولا نقول أن كل المجتمع عنصري و"يكرهنا".
والحق أنّ العنصرية حيّة ترزق في صفوف الجالية العربية وخاصة اللبنانية ليس تجاه
الآخرين من كيبكيين فرنسيين فحسب بل تجاه اللبناني الآخر أو العربي الآخر.
يا ترى ما هي درجة اندماج العرب في المجتمع الكندي؟ هذه نقطة يجب بحثها أيضاً. إذ
أنّ هناك نسبة كبرى من اندماج العرب في كيبك خاصة لدى أولئك الذين ولدوا في كندا أو
تحدّروا من اصول عربية وبات تواجدهم في كندا يعود إلى جيلين أو أكثر. وهؤلاء نسبة
لا يستهان بها من عداد العرب.
وثانياً ما هو مفهوم الجالية؟ إننا نتكلم عن "جالية لبنانية" على سبيل المثال وهي
كذبة كبرى. إذ ثمـّة كراهية وحقد كبيرين بين اللبنانيين أنفسهم في مونتريال وفي
مناطق أخرى في كندا. وعلى سبيل المثال ليس هناك جمعية أو ناد لبناني يلتقي فيه جميع
اللبنانيين على اساس ثقافي اجتماعي واحد كما للصينيين واليونانيين والطليان. بل
هناك جمعيات ونواد للموارنة وأخرى للشيعة وثالثة للسنـّة ورابعة للدروز... وهكذا
فثمـّة أكثر من عشرين جالية طائفية وعنصرية ضمن ما نسميه جالية لبنانية. حتى لو
اشترى هؤلاء الخبز العربي من نفس السوبرماركت أو تناولوا الغذاء في مطعم معين أو
تزاملوا كسائقي تاكسي أو عمـّال في سوبر ماركت فهناك كراهية عميقة طائفية وعنصرية
وبغيضة تمنعهم من التلاقي الأكثر عمقاً فلا زواج مختلط ولا تسامح ولا علاقات
اجتماعية صحيّة ولا نشاط ثقافي مشترك. ولا يعني ذلك تواجد أقلية مثقفة تلتقي
وتتعالى عن الصغائر العنصرية الطائفية.
ثم لماذا لا نفسّر أنّ ما يطلبه الكيبكي الفرنسي من المهاجرين هو أن يلتقوه في
منتصف الطريق وينخرطوا معه بعض الشيء ومن دون اكراه في الحياة الاجتماعية والثقافية
والاقتصادية الكندية؟
ثمـّة أعداد كبيرة من الذين هاجروا من لبنان إلى كندا في العشرين سنة الأخيرة
وكوّنوا عائلاتهم في كيبك وغيرها من المحافظات وهم يتصرّفون وكأنهم لم يأتوا إلى
كندا قط وكأنـّهم ما زالوا في حيّهم أو في قريتهم في لبنان أو العراق أو اليمن:
- فبعضهم لا يعرف غير اللغة العربية ولا يتكلم إلا بعض الفرنسية أو الانكليزية
وبصعوبة، ناهيك عن جهله بكتابة وقراءة هاتين اللغتين في كندا. وترى هذا البعض لا
يسعى لاغتنام فرصة الدروس المجانية التي تمنحها الحكومة لاكتساب اللغات والمهن.
- وبعضهم يمضي يومه وليله وشهوره لا يشاهد إلا الدش الفضائي اللبناني أو الفضائيات
العربية ولا يعرف من السياسة إلا ما يحصل في لبنان أو العراق أو مصر، وكأنـّه لا
يعيش بتاتاً في بلد اسمه كندا.
- وبعضهم لا يمارس حقه كمواطن في المشاركة والترشـّح في الانتخاب البلدية وعلى
مستوى كيبك والمستوى الفدرالي.
- وبعضهم لا يقتني أصدقاء من خارج نطاقه اللبناني الضيق. وحتى ضمن النطاق اللبناني
في مونتريال وكندا ثمـّة شيعي لا يعاشر سوى مسلمين شيعة ولا يشتري إلا من محلات
الشيعة ولا يذهب إلا للنادي أو المسجد الشيعي ولا يؤيد إلا أحزاب شيعية في لبنان.
وقس على ذلك السني أو الماروني أو الدرزي الذين لا يؤيدون إلا تيارات وأحزاب طائفية
معينة ولا يذهبون إلا إلى مراكزهم الدينية ونواديهم ذات المذهب الواحد وفرق كرة قدم
من مذهب واحد (ونقول دوماً "البعض" ولا نجمل الكل في كل هذه الأمثلة).
- وبعضهم لا يحضر مسرحية كندية أو يشاهد معرض صور أو يخرج إلى متحف أو يشتري كتاب
لأديبة كيبكية. ولا حتى يشارك في مهرجان العالم العربي في مونتريال الذي يحضره آلاف
الناس من فرنسيين وغيرهم يدفعون المال لحضور تراث العرب وثقافتهم. كم من المرات
شاركنا في ندوة أو نشاط ثقافي في مونتريال حضره أكثر من مائتي شخص وأحيناً ألف شخص
واقتصر الوجود اللبناني أو العربي على بضعة أشخاص؟ وكم من مناطق سياحية قصدناها في
كيبك فلا نرى أثراً للبناني أو عربي حيث لا يغادرون مناطق معيّنة في مونتريال أو
أوتاوا أو تورنتو؟
- وبعضهم لا يأكل إلا طعامه اللبناني أو المغربي أو المصري ولا يجرّب طعام مطابخ
أخرى متوفرة من أصول مختلفة.
- وبعضهم يصرّ على اتباع تقاليد بالية فظـّة ويضطهد المرأة والأطفال في العائلة
وأحياناً يستعمل العنف المنزلي.
- وبعضهم ينغلق ويتقوقع دينياً ويكره كل من ينتمي إلى ديانة مختلفة ولعل هذا ما
اثار الحساسيات في كيبك وأدّى إلى نتائج هذا الاستطلاع. فثمـّة عائلات مسلمة
لبنانية أو مسلمة جاءت من دول عربية أخرى تتبع طقوساً دينية متشددة يرى الفرنسي
الكيبكي واللبناني أو العربي المنفتح أنها تساهم في عزلة هؤلاء عن المجتمع الكندي
وتشدّد في غربتهم النفسية، خاصة إذا رأى فتيات دون العاشرة من العمر محجبات (وهو
أمر فرضه الأهل على طفل في سن لا يدرك مغزاه ولا يترك له مجال اختياره لدى بلوغ
النضج) أو سلوك أعمال غير مسبوقة في كندا في تطبيق الشعائر. وهذا ينطبق على بعض
المسيحيين اللبنانيين أيضاً الذين أصبحت الكنيسة وما يدور حولها محور حياتهم
اليومية وليس يوم الأحد فحسب فباتوا شديدي التعصب تجاه بني جنسهم من المسلمين وتجاه
أي اختلاط آخر وخاصة مع اشتداد العنف السياسي في لبنان مجدداً (بصرف النظر عن
اللباس المتحرر الذي يميـّز المسيحي المتشدد دينياً عن المسلم المتشدد دينياً).
- وبعضهم يعتقد أنـّه لا بأس من استغلال كرم البرامج الاجتماعية الكيبكية أو
الكندية فيحتال على القانون للحصول على المساعدات الاجتماعية ويدّعي أنـّه فقير أو
عاطل عن العمل أو أنّ زوجها هجرها لتحصل على المال العام، أو يرتكب الاحتيال في
الضرائب وفي نسبة أرباحه. وحتى لو كان نهب المال العام من البرامج الاجتماعية
والضرائب هو ممارسة تنطبق على كثيرين من غير اللبنانيين والعرب في كندا ولكن هذا لا
يبرّر اطلاقاً في إن يكون هذا التصرف مقبول، وكأنّ في الأخلاق نصف تطبيق.
- وبعضهم يسمّي المواطن الآخر في كندا "أجنبي" ويقول عن أي شخص أبيض بأنـّه "كندي"
ولا يفكـّر أن لقب "كندي" ينطبق عليه هو أيضاً عندما حمل الجنسية الكندية وأقسم
يمين الولاء للملكة، وأنـّه في الواقع هو "الأجنبي" لأنه لم يولد في هذه البلاد بل
هاجر إليها.
ونكتفي بهذه الأمثللة حتى لا نطيل على القارىء ولكن نعتقد أنّ قصدنا بات واضحاً وهو
دعوة ابناء الجالية للانخراط في الحياة الكندية بدرجة أكثر جدية وإلى محو العنصرية
والطائفية من صفوف الجالية. ونعتقد أنّ هذا سوف ينعكس أيجاباً على اي استطلاع
مستقبلاً للرأي العام في كيبك. وهذا التحوّل يحتاج إلى التوعية والتربية وإلى تعاون
رجال الدين في الجالية وأصحاب المؤسسات التجارية والاعلامية ومؤسسات المجتمع المدني.
دون أن ننسى أن النسيبية الكبرى من الجالية هي منخرطة فعلاً وأنّ ما ذكرناه أعلاه
من أمثلة ينطبق على البعض فحسب.
Top
جورج معلوف
بادئ ذي بدء لا بد من التنويه بالمبادرة الشجاعة التي اتخذتها جريدة المستقبل، اذ
انها كانت وحدها تقريباً من بين الصحف الإغترابية، التي تطرقت الى موضوع الإستفتاء
هذا، طارحة الأسئلة وطالبة من جمهور قرائها المشاركة بهذا الحوار. لأن القضية
تعنينا جميعاً، كما انها تعي جيل اولادنا ايضاً. وبالعودة الى اسباب الكراهية للعرب
في مقاطعة كيبيك فلا بد من التوقف اولاً عند توقيت هذا الإستفتاء المشبوه، ومن هم
القيمون عليه، وما هي خلفياته مع طرح بعض الأسئلة حول كيفية اجرائه وما هي نوعية
الناس الذين جرى استفتاءهم، وما هي نسبة مستواهم العلمي والثقافي. والى اي شريحة من
المجتمع ينتمون. فأنا ارى انه مع تصاعد حركة عدم التسامح تجاه الجاليات الأخرى في
مقاطعة كيبيك، هنالك دور سلبي كبير لبعض وسائل الإعلام في اثارة الرأي العام
وتوجيهه نحو وجهة معينة، ونحن نعرف ان هذا الرأي العام للأسف يتأثر كثيراً
بالأستفتاءات، اذ انها تلعب دوراً كبيراً في اتخاذه بعض القرارات، وكما اسماهم
اديبنا الكبير سعيد تقي الدين" الرأي المام ال..." والمفارقة الكبرى هنا ان اغلب
الكيبيكيين هنا يؤيدون القضايا العربية العادلة وانهم اول من ينزل الى الشارع
مدافعاً عن قضايانا القومية، كاحتلال العراق مثلاً او في الصراع العربي الإسرائيلي.
لا شك ايضاً ان التركيز الإعلامي على الأصولية الإسلامية في العالم وربط كل ما هو
مسلم بالعالم العربي قد ساهم بعض الشيء في اثارة الهلع والخوف في قلوب الناس، كما
هنالك الأسباب الإقتصادية ايضاً اذ نرى اغلب العرب يقيمون بمستوى معيشي لائق قد لا
يستطيع بعض ابناء مقاطعة كيبيك الوصول اليه. ولكن يبقى هنالك كما اعتقد سبب مباشر
آخر، وهو وجود جالية مغاربية كبيرة " من جزائرين ومغاربة وتوانسة" وقد اتوا الى
مقاطعة كيبك في السنوات الأخيرة باعداد كبيرة وحافظوا او جلبوا معهم شعائرهم
وعاداتهم وتقاليدهم ومع ان نسبة المثقفين والمتعلمين منهم عالية. ويتكلمون اللغة
الفرنسية احسن من كثيرين من ابناء المقاطعة وربط اسماء بعض الأفراد من هذه الجالية
كأحمد رسام" او " عادل الشرقاوي" او غيرهم بالأرهاب العالمي قد ساهم بعض الشيء
بتنبيه الرأي العام الى هذا الخطر الإفتراضي او الوهمي من كل ما هو الحاسم في اثارة
مشاعر العدوانية هذه فأنا ارى انه ليس لديهم القدرة على الفصل بين ما يجري في
العالم العربي من اقتتال وصراعات داخلية وتغيير الصورة التي تنطبع في اذهان الرأي
العام هنا فأنا ارى ان هذه الجاليات تحاول دائماً الدخول في حوار مع ابناء مقاطعة
كيبيك لشرح وجهة نظرها وايجاد الحلول كلما طرأ جديد او حدثت بعض الإشكالات.
والمفارقة الكبرى انه وكما جاء في الإستفتاء ان نسبة العرب التي تبادل الكيبيكيين
هذه العدوانية هي الأقل بين كل الجاليات الإثنية الأخرى. %26 لقد كان هذا الإستفتاء
جرس انذار لجاليتنا العربية، كي تعرف ماذا يدور حولها وخاصة انها جالية جديدة نوعاً
ما وغير متماسكة في الملمات فعليها اولاً ان تقوم بحملة اعلامية مضادة شارحة للرأي
العام هذا من الكيبيكيين الدور الكبير الذي لعبته ولم تزل تلعبه هذه الجالية
العربية على الصعيد الصناعي والتجاري والثقافي وخاصة مجال الطب، اذ انه ويا
للمفارقة ومنذ بضع سنوات كان الأطباء الذين عالجوا اهم رئيسي وزراء في مقاطعة كيبيك
وهما " Robert Bourassa, Lucien Bouchard " هؤلاء الأطباء كانوا لبنانيين عرب
وغيرهم الكثير الكثير لا مجال لذكرهم الان كما انه باستطاعتها الطلب من الذين اجروا
هذا الإستفتاء اعطاء بعض التوضيحات عن اسباب وكيفية اجراء هذا الإستفتاء وعن مدى
صحته وخاصة اننا رأينا كيف ان الصحافية الفرنسية التي لبست الحجاب ومع المبالغة
المفرطة بهذا اللباس رأينا ان معظم الناس الذين قابلتهم سواء لطلب عمل او لإيجاد
شقة سكنية لم يكونوا سلبيين تجاهها ابداً مما يدل على الغاية غير البريئة لهذا
الإستفتاء.
ان تخبط مقاطعة كيبيك في المسائل الوطنية وفي مسألة الهوية بالذات قد انعكس ضياعاً
ايضاً على معظم الجاليات التي هاجرت الى هذه المقاطعة فأين هذه المقاطعة من
الفرنسيين الذين يفتشون دائماً عن احد من الجاليات الأخرى ليضع عليه الحق في هذا
الضياع فقبلنا كان الإنكليز ثم اليهود ثم السود ولا ندري من سيأتي غداً.
ان عدم وضوح الرؤيا في السياسة الثقافية في مقاطعة كيبيك وعدم وضوح القوانين التي
تتطرق الى هذه المواضيع الحساسة والشائكة، اذ ان المفروض كما هو في الدستور ان تكون
مقاطعة كيبيك علمانية، ولكن هل يستطيع سكان هذه المقاطعة التخلي عن جذورهم المسيحية
الكاثوليكية، وهذه المشكلة قد عانت منها اوروبا قبلاً، اذ انه في دستور الإتحاد
الأوروبي الجديد لا وجود للدين المسيحي في هذا الدستور، مما اثار حفيظة الفاتيكان
حينذاك مذكراً رؤوساء دول اوروبا بالجذور المسيحية الكاتوليكية لهذه القارة، وكل
هذا لم يمنع حدوث كثير من الإشكالات حال وصول جاليات كبيرة من غير عرق ومن غير دين
الى هذه القارة. فالخلل هنا ان كل طالب هجرة تزين له الدنيا وكأن كندا بلد التسامح
والحرية متجاهلين ان لهذا القادم الجديد عادات ولباس وديانة قد تكون مختلفة عن
عاداتهم وديانتهم ومن هنا تبدأ النظرة للآخر على انه مختلف. اما ما لفت انتباهي
كثيراً هو صمت المسؤولين الكنديين عن هذه الظاهرة او التكتم عنها بخجل لرفع العتب
تقريباً خاصة انه هنالك حادثتين ويجب التوقف عندهما وهي في شركة" Bell Helicopter"
التي فرضت الولايات المتحدة على هذه الشركة استثناء بعض ذوي الجذور غير الكندية من
العمل في بعض المشاريع التي تنفذها هذه الشركة لصالح الجيش الأميركي كما انها طلبت
من " Banque Royale " منع مواطني بعض الدول من فتح حساب بالدولار الأميركي حتى ولو
كانوا يحملون الجنسية الكندية.
ولاحظت للأسف الصمت الأكبر لمسؤولي الحزب الكيبيكي عن هذه الظاهرة بل ان الرئيس
السابق للوزارة وهو من هذا الحزب قد شارك في مناظرة تلفزيونية مؤيداً تقريباً ما
جاء في هذا الأستفتاء وهذا لا يشجع كثيراً وخاصة ان هذا الحزب قد عمل طوال العشرين
السنة الماضية للتقرب من جاليتنا وقد كسب كثيراً من التأييد له من قبل هذه الجالية
ولكن للأسف الآن اخشى ان يضيع كل ما بيناه سوياً لهذا التقارب فالمطلوب من
المسؤولين العرب والكيبيكيين الإدانة الصريحة والعلنية لهذا الإستفتاء الفخ والجلوس
والمصارحة والمفاتحة بكل الهواجس التي تنتاب الجانبين فليس هنالك من حلول عجائبية
لهكذا وضع ولكن مع تحديد ما هو مطلوب من كل فريق بصراحة ووضوح دون التلطي وراء
المجاملات والكلام المعسول. وقيام المسؤولين الكيبيكيين بحملة توعية واسعة كل نائب
ضمن دائرته الإنتخابية شارحين وموضحين دور الجالية العربية في اغناء مقاطعة كيبيك
من كل النواحي كما ذكرنا سابقاً وحاجة هذه المقاطعة لهم، مما يؤثر ايجاباً على
الرأي العام وخاصة ان الجالية العربية لم تبادل الكيبيكيين هذه العدوانية وكما يبدو
فإن الإنتخابات على الأبواب والمطلوب من الجالية العربية مقاطعة كل مرشح وكل حزب لا
يكون ضمن برنامجه الإنتخابي القيام بحملة توعية شاملة للتقارب بين الجاليات في هذه
المقاطعة الخائفة على ضياع هويتها وثقافتها، مع ان اغلب القادمين العرب الجدد
يجيدون اللغة الفرنسية بشكل ممتاز وسيساعدون طبعاً في الحفاظ على اللغة الفرنسية في
هذه البقعة من العالم.
Top
د.
حبيـــب زعــرور
(جامعة مونتريال – قسم العلوم
السياسية)
قبل الاجابة على تساؤل رئيس تحرير المستقبل، لماذا يكرهوننا؟ علينا أن نبادر نحن
للسؤال: أين نكمن نحن العرب من كامل التركيبة الاجتماعية للمجتمع الكيبيكي؟ هل
مسيحيو لبنان وسورية مثلاً يصنفون عرباً في مواقفهم من قضايا المجتمع الجديد الذي
قدموا اليه؟ هل يتخذ مسلمو المشرق العربي نفس المواقف من القضايا الوطنية الكندية
كمسلمي المغرب العربي، وهل يتصرف كلا الفريقين بنفس الطريقة ونفس الأسلوب؟ هل
الوافدون الجدد من دول المغرب العربي ينظرون الى المجتمع الجديد كما نظر اليه
المهاجرون الذين وفدوا من سورية قبل قرنين من الزمان فأقاموا وتكاثروا في مجتمع
اعتبروه ملاذاً لهم استطاعوا أن يتعايشوا مع أهله ويعملوا بجد وأمانة في كافة
مجالات نهضة البلد ليصبحوا جزءاً أساسياً من تركيبته الاجتماعية والاقتصادية وحتى
السياسية.
إنه من الغبن بمكان ألا نميز بين تلك الفئات التي ساهمت بشكل مباشر وجاد ببناء
الحياة الاجتماعية والسياسية في كيبيك والتي تبوأ أبناؤها مناصب رفيعة، إن دلت على
شيئ فانما على مدى مساهماتهم الفعالة، وتلك التي لم تساهم حتى في بناء بيئة عائلية
سليمة. إن مجرد الخلط بين السوريين (واللبنانيين) الذين قدموا الى البلاد قبل قرنين
من الزمن واعتبارهم عرباً يصنفون مع المغاربة الذين بدؤا بالتوافد الى المنطقة كردة
فعل على معاملة السلطات الفرنسية لهم منذ عقدين من الزمن، أو حتى مع المسلمين
الوافدين حديثاً من أواسط أسيا (الهند الباكستان بنغلادش ...) هو انتقاص وخلل في
المعادلة بين المغترب الذي جاء ليعطي من ذاته عندما كانت البلاد "حفرة نفرة" وبين
الوافد الذي ما يلبث اليوم أن يصل الى المطار حتى يسأل عن عنوان أقرب مكتب لتقديم
طلب "المساعدة الاجتماعية" ليعيش منذ اليوم الأول لوصوله عالة على الحكومة وعلى
المجتمع، فيكون بذلك عقبة في طريق نمو وتطور المنطقة ودافعاً لتأخرها وتراجع نموها
في مجالات شتى.
لذلك فان تعميم السؤال عن سبب الكراهية للعرب، ومدى مسؤلية العرب عن تفاقم مشاعر
العدوانية، يعيق الاجابة. فعن أي عرب نتحدث؟ أعتقد أن الكراهية اليوم موجهة نحو بعض
تصرفات للمسلمين واليهود والسود تحديداً، أولئك الذين كان عدد كبير من متطرفيهم،
السبب المباشر لتلك الكراهية بما أثاروا من مشاكل في وجه المجتمع، نابعة عن رغبة
التميز لديهم والانفراد بصفات ومميزات تتيح لهم ممارسة شعائرهم بمعزل عن مشاركة
المجتمع لهم ، وجنوح البعض منهم للانعزال وعدم الانخراط بالحياة العامة، اضافة الى
المظاهر الخارجية التي تميزهم عن سواهم مثل حجاب المرأة الآخذ بالتزايد الملحوظ
سيما الشادور الأفغاني والنقاب الخليجي اللذين تزايد انتشارهم في شوارع مونتريال
مؤخراً، ومشهد لبس "الثوب" الباكستاني القصير للرجال قرب المساجد ظهر الجمعة.
ويشارك عدد كبير من اليهود ظاهرة الكراهية تلك، لنفس الأسباب المذكورة سابقاً
والمتعلقة ببعض المتشددين، مثل المظهر العام المميز (القبعة والمعطف وجدايل الشعر)
والمطالب التعجيزية التي يتقدم بها بعض الوافدين للحصول على امتيازات "تفريقية"
تساهم في تفتيت المجتمع الى كنتونات وغيتويات على الطريقة اليهودية المنتشرة في
أنحاء العالم. أضف الى ذلك التصرفات العدوانية ذات الطابع الاجرامي أحياناً التي
تقوم بها فئات من العرق الأسود في مناطق مختلفة من البلاد. تلك جميعها مظاهر غريبة
وحديثة، لم يعرفها المجتمع قبل السنوات الأخيرة ولا يمكن ربطها بالذين وفدوا الى
البلاد منذ عشرات السنين أو ربما طيلة القرنين الماضيين.
بعض المؤسسات الاسلامية (لاسيما تلك التي تمثل جاليات المشرق العربي ...) حاولت
وتحاول بجهود متواضعة اقناع المجتمع بالفارق الكبير بين المسلم المسالم الذي له بعض
الخصوصيات التي لا تحول دون اعتبار نفسه جزءاً من مجتمعه، وبين ذاك المتطرف المنعزل
الذي يسعى الى الابتعاد ما أمكن عن "مفاسد الغرب" على حد زعمه. وبالرغم من النجاح
المحدود لتلك المحاولات القليلة الا أن المجتمع بصورة عامة لا يمكن اقناعه بمجرد
خطاب أو تصريح أو تظاهرة سلمية، (أو حتى زيارة بعض الحسناوات المسلمات المحجبات الى
قرية ايروفيل). كما أن المجتمع لا يمثله الحكام الذين يحاول بعض رجال الدين أو "وجهاء"
الجاليات العربية التقرب منهم والتودد اليهم، أو اولائك المرشحون للمجالس البلدية
أو النيابية الذين يكثرون التودد الى الرعايا من أصول عربية في فترة الانتخابات فقط،
فالمجتمع هو من نسكن بجواره أو نركب وسائل النقل العام برفقته أو نشاطره نفس مكان
العمل أو المطعم أو أماكن اللهو. هؤلاء هم من تجب مراعاة مشاعرهم واظهار الوجه
الايجابي من طباعنا وعاداتنا وتقاليدنا تجاههم.
ان مواجهة ظاهرة الكراهية تكون بنشر ثقافة توعية عامة ودعوة الى خروج المرأة
الشرقية والمسلمة خاصة لمشاركة نظيراتها الحياة العامة، مع حقها الكامل بالاحتفاظ
بمظاهر الحشمة والعفة والطهارة التي يوصي بها الاسلام . المواجهة تكون بالتخفيف من
المظاهر الخارجية الملفتة للنظر وبمحاربة الانعزال ومكافحة ظاهرة التحايل على
الأنظمة ومخالفتها واستغلال ما يسمى بشريعة حقوق الانسان للمطالبة بما لا يمكن
قبوله، أو المبالغة بتلك المطالب، لا سيما تلك التي تقرن طلب الميزة بالغاء صورة
اجتماعية خاصة بالمجتمع الذي قبلنا راضين العيش فيه، مثل طلب الغاء بعض المراسم
الدينية والاحتفال بالأعياد، أو طلب مساحات خاصة وغرف "لا يمسها الا المطهرون"
للصلاة في الجامعات والمدارس وأماكن العمل، وكأن الصلاة والايمان لا يكتملان الا
بتوفر تلك الأماكن المخصصة للمصلين وحدهم، وكأننا بالمتطرفين يهاجرون الى أقاصي
الأرض، لا سعياً للرزق والعيش الحلال والتعايش مع الغير، إنما لتحقيق مبدأ أساسي من
مبادئهم الذي به تكتمل الرسالة ويحين موعد يوم القيامة مع تحول سكان الأرض بأكملهم
الى ديانة رسول الله السمحاء.
مما لا شك فيه أن سياسات الحكومة والمؤسسات العامة في كيبيك وكندا، تساهم الى حد
بعيد في تزايد انتشار ظاهرة "العنصرية" والتمييز بين الجاليات، فسياسة "تعدد
الثقافات" غير واضحة المعالم، تستخدم غالباً دون المعايير المحددة لها، الأمر الذي
يؤدي الى عكس النتائج المرجوة من قبل واضعيها. وتبدو السلطات المحلية وكأنها تسعى
في كل ذلك الى كسب رضى الأقليات الأثنية ومخاطبة ودهم بمثل تلك السياسات العمياء
التي لم تقدم للمجتمع الكيبيكي الا الصورة المشوهة عن مشاركة أقليات متطرفة لا
تعنيها مشاركة ثقافية بقدر ما يعنيها مكسب مادي أو تحقيق مأرب ديني أو فئوي متطرف.
أضيف الى ذلك التسيب الذي بلغ أقصى حدوده لدى أهل البلاد الأصليين وغيرهم من
الوافدين من غير العرب والمسلمين، الذي ما عادوا يقيمون وزناً أو اعتباراً للأخلاق
العامة أو أي مراعاة للمشاعر المتعلقة بالتقاليد الدينية المحافظة السائدة لدى
غالبية الجاليات والتجمعات التي يتكون منها المجتمع الكندي أو مجتمع كيبيك بصورة
خاصة.
المشكلة العميقة والتي تشكل الجذور الأساسية لهذا الواقع المتخبط تكمن في انقطاع
الحوار الحقيقي بين أطراف المشكلة كما تكمن في التمثيل الخاطئ والمزيف لبعض
الجاليات "العربية"، شكلاً وظاهراً، بحيث يأتي معه أي اتصال بطرف كيبيكي محلي كحوار
للطرشان لا يؤدي الا الى تفاقم الواقع وتزايد المشكلة.
الحل يكمن في مشاركة جهات مثقفة وواعية من الجاليات العربية (وأعني هنا العربية
فعلاً، أي جماعات تمثل المسيحي العربي بشكل جاد وواسع، جنباً الى جانب المسلم
العربي من الشرق الأوسط والمغرب العربي، لا أن يقتصر تمثيل العرب بمسلمي المغرب أو
مسلمي أسيا مثلاً) مع جهات محلية في حوار مفتوح ينتج عنه برنامج عمل وخطة متكاملة
يستمر تنفيذها فترة طويلة جداً ترافقها حملة توعية واتصال مباشر مع أبناء الجاليات
من خلال أماكن تجمعهم، وعدم الاكتفاء بارسال النشرات والمطبوعات المنمقة، لشرح
أهداف الخطة والتوصل بعد فترة سنة، أو أكثر اذا لزم الأمر، الى أسس مقبولة من
الجميع ينتظم بموجبها تحرك الجاليات ضمن اطار موحد يساهم في رسم صورة واضحة ومحددة
للدور الذي يمكن للمغترب العربي أو الشرقي لعبه في المجتمع الكيبيكي.
المهمة ليست بالسهلة، كما أنها ليست مرتبطة بجالية أو طائفة معينة، لأن جذور التعصب
والتبعية الفكرية والعقائدية والدينية مترسخة في داخل العديدين منا، ويتطلب
استئصالها جهودا كبيرة وايماناً راسخاً وارادة واعية وصبر ومثابرة بلا ملل أو كلل،
الى جانب توفر فهم متبادل من قبل كافة الأطراف لأبعاد المشكلة الحقيقية وجذورها
للعمل على حلها وتسويتها. وهنا يبرز أهمية أن يتعرف الطرف المحلي المشارك بحل
المشكلة على حقيقة الانسان العربي وعلى حقيقة الانسان المسلم، لا أن نتوقف عند عرض
منمق ومغر لمبادئ الاسلام المتسامحة ونخفي ما يختبئ ورائه الكثيرون من ممارسات
خاطئة ترتكب باسم الاسلام والمسلمين، أو باسم العرب عامة.
دعوة أوجهها في ختام هذا التعليق الى أبناء كافة الجاليات العربية التي تطالب
وتنادي باحترام الثقافات والأديان. لنتذكر جميعاً أن كيبيك هي مجتمع قائم منذ قرون،
له عاداته وتقاليده وممارساته الدينية، خاض حروباً طويلة للحصول على ما حصل عليه من
حرية واستقلالية وكيان متميز. حروباً عديدة مع المحتل ومع الذات، وها هو اليوم يخوض
حرباً من نوع آخر مع الضيف الوافد. فلماذا لا نسعى الى أن نقف معاً الى جانب هذا
المضيف الذي فتح لنا أبواب العيش الكريم الذي ارتضيناه واخترناه طائعين؟ لماذا لا
نسعى الى الاستفادة القصوى من ثقافة هذا المضيف التي لا تهدف الا الى منح الحريات
والحقوق. ولنعترف أن جذور تلك الثقافة هي جذور مسيحية الأصل لا يمكن انكارها أو
التخلي عنها، فلماذا نسعى الى دفع المجتمع بأكمله للاعتراف بثقافتنا على حساب
التخلي عن ثقافته وجذوره وتاريخه؟
علينا كضيوف اخترنا العيش المشترك مع مضيفينا، أن نراعي عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم
لكي نتمكن من مطالبتهم بفهم عاداتنا وثقافتنا وتقبلها، إذ لا يمكن احلال ثقافة مكان
أخرى، الا اذا كانت النوايا تتجه نحو احتلال واحلال بالفرض والقوة، ولا أعتقد أن
هذا ما يهدف اليه المسلم العربي المسالم، العاقل والمتفهم لحقيقة ما يدور حولنا من
مخاطر تهدد عائلاتنا وأولادنا، لا بل وتهددنا نحن في عمق ايماننا وقناعاتنا الراسخة.
من أصول الضيافة العربية اكرام الغير. فلتكن تصرفاتنا خير تعبير عن احترامنا للغير
وقبولنا بثقافته، لا أن نمارس بحقه "ثقافة المحتل" التي رفضناها في ديارنا و"هشلنا"
هرباً منها!
Top
عبدالله خطار
عالج الكاتب
اللبناني المقيم في مونتريال عبدالله خطار المسألة من منظار بحت حياتي تطرق فيه إلى
مشاهدات وممارسات كان يتمنى لم تحصل، لأنه لربما كانت قد قللت من "نفور" الكيبيكيين
منا. وقال خطار:
أنا أفضل لو أتى العنوان، وهو سؤال في آن، بشكل مخفّف مثل لماذا لا يحبّوننا، أو
لماذا ينفرون منـّا، لأن في يكرهوننا بعض المبالغة.
إنهم ينفرون منا لجملة أسباب، التي بعد استعراض أبرزها نصل إلى نتيجة معهم حق. فمن
الأسباب التي تنفّرهم منا أولاً لأننا أغراب؛ وكلمة غريب تعني دخلي أو طاريء على
أصيل وأساسي فقائم وموجود. هذا حتما بالمفهوم العام للكلمة. أما من حيث التركيبة
المجتمعية الكندين، أو تحديدا الكيبيكية، فالكل أغراب ما عدا سكان كندا الأصليين،
أي الهنود ويـُعرّف عنهم بـ Premières Nations، وهذا الكل توافد إلى كندا كمجموعات،
أي على دفعات، مع طبعا، أسبقية وفواصل زمنية.
اللافت في الغريب عندما يدخل إلى مجتمع غير مجتمعه هو شكله واسمه ولغته ولكنته
وعاداته وتقاليده وممارساته وشعائرةه وطباعه، وكلها سمات ودلائل تفضحه وإن تستّر،
أضف غلى ذلك عامل اللون أكان بسواده كالزنجي أو الأفريقي أو بميوله إلى الصفار
كالآسيوي. فكيف والحالة هذه الا يحصل تمييز؟ بل الغريب الأ يحصل. وكيف بـ جان-كلود
أن يطرب لسماع اسم عبدالله أو نصر الله أو فضل الله على أنها جميعها أسماء تطن وترن
في أذنيه على وقع حزب الله، خصوصا بعد تسويق الغرب لفكرة الحزب الإرهابي كما وبعد
حادثة تفجير مركز التجارة العالمي؟ ثم دلـّني على مرهم بمقدوره تحويل العرق الأسود
إلى أبيض، وعلى غرار الأكثرية كي لا يحصل تمييز. من أخريات الاسباب الوجيهة كذلك أي
الداعية إلى النفور منا كعرب تركيزا عندك ظاهرة إقامة الجوامع ونشرها كما والمراكز
والجمعيات الإسلامية على اختلافها، بما في ذلك المؤسسات التعليمية والخيرية فضلا عن
ظاهرة تفشي الحجاب وفي مجتمع لم يألفه من قبل، غلى المطالبة بأداء فريضة الصلاة في
الشغل والجامعة إلى ما هنالك.. وكعرب نحن ينظر إلينا كلنا كمسلمين، أو عندما تقع
واقعة أو يحدث حدث كأصوليين وإرهابيين. فوق ذلك عندك عامل المزاحمة من قبلنا لهم
على كل الأشياء وفي كل الميادين،إبدأ من السكن والمدرسة والشغل وعرّج على المستشفى
والإستفادة من التأمينات الإجتماعية قبل أن تنتهي بالمهن الحرة كالتجارة والمحاماة
والصيدلة والطب وصولا إلى شوفير التاكسي. فهذه الاتنيات تنتش اللقمة والنعمة من فم
المواطن الكيبيكي. أو هل تتوقع منه بعد الذي ذكرت أن يذبح بك القرقور والديك؟
ثم، ثم ففي الشأن الإنتخابي عندك غالبية الأصوات الاتنية تصب مع الفيديرالية أو ضد
مشروع إقامة دولة كيبيك الفرنسية، وهذا الصب تجلـى في أكثر من استفتاء لغاية
الإنفصال ويحول دون تحقيق الدولة المنشودة، ويتجلى كذلك في كل مرة يستبعد فيها
الحزب الكيبيكوازي عن السلطة.
بكلمة الكيبيكيون لا يرون في الغريب عنصر نتوء ومزاحمة فحسب بل أصبحوا يخشون على
مستقبلهم من تكاثره. ماذا بعد عشرين او خمسين سنة؟ لاحظ في فرنسا، مثلا، أو في
ألمانيا، كيف تنمو الحركات اليمينية أو المتطرفة تكاثر العنصر الغريب وما ينجم عن
هذا التكاثر من مشاكل وخضـّات إلى مسؤولية تحمّل الدولة وزر تسكينهم وتشغيلهم
وإعاشتهم وتطبيبهم. والغرب الذي يجنّس الأغراب ويعاملهم اسوة بأهل البيت بات مواطنه
لا يجرؤ حتى داخل وطنه ومجتمعه على انتقاد ما يراه يتعارض مع حرية تفكيره ورأيه
وتعبيره ونمط عيشه، حتى أن الرئيس الروحي لكنيسة الكلية، أي البابا، تقوم قيامة
المسلمين عليه فيما لو عطس. ولكم تمنى وأمل المجتمع الغربي، وضمنه الكيبيكوازي، لو
أن المسلمين يطالبون إلى جانب مطالباتهم بتأدية شعائرهم ومعتقداتهم ، وسعيا إلى
الترخيص لمحكمة شرعية لهم، بإنشاء كنيسة وحيدة في السعودية كي يمارس فيها عشرات بل
مئات ألوف المسيحيين الموجودين هناك واجباتهم وطقوسهم الديني كذلك الأمر، أو لكم
تمنى وأمل هذا الغرب لو يتظاهر الشارع الإسلامي مرة واحيدة دعما لصمود من تبقى من
المسيحيين المشرقيين في ديار الإسلام ولغاية الحد من هشلانهم لكثرة ما يتعرضون له
من اضطهاد وتعد على حقوقهم وحرياتهم وحرماتهم، أو لشدة ما ينعتون بالكفار
والصليبيين كلما دق الكوز بالحجرة ولمع في الأفق شعاع شمس. فبعد الذي ذكرت هل علينا
أن نلوم الأجنبي على نفوره منا وهو يكاد يصبح غريبا داخل بلده؟.
ثانيا، لقد كان رهان المواطن الكندي أو الكيبيكي في الإستيراد على الإندماج الكلي
للغرباء في مجتمعه، فماذا حصل؟ حصل أن الهايتي بقي هايتيا أسود يتكلم الكريول،
النهدي زنجيا أو برونزيا يتكلم الأوردو، وأن "السيخ" سيظل سيخا بقلبه وقالبه،
واليهةدي يهوديا منطويا على نفسه، والمسلم مسلما يسعى إلى مزيد الإنفلاش لغاية
إبراز صورته ومعالمه وبالقدر الذي يتمكن. هذا ولقد تحولت مدينة مونتريال، كوننا
فيها ونعرفها، إلى شبه كانتونات لهذه الفئة أو لتلك المجموعة، وكل فئة وكل مجموعة
تغني علىهواها وليلاها مستفيدة من فسحة الحريات وشرعة الحقوق التي تحميها. ولم يعد
يقصتر الأمر على حي "لأبو جدولة" مثل اليهودي الملتزم (Hassidique) وآخر للصيني
وللإيطالي ومجامع أو مجمعات للبنانيين والمغاربة، بل تعداه إلى لغة فرض المطالب على
المجتمع الكيبيكي عوض احترامه وخصوصياته، قل غلى الفلتان والمافيات وعصابات الشوارع.
اندمج وحق القول في المجتمع المذكور أبناء وبنات الاتنيات الأخرى مثل الايطاليين
واليونان والروس والبلغاريين فالعرب المسيحيين، وهذه الاتنيات لا تتعارض من حيث
المعتقد أو اممشى أو الحريات أو اللون أو حتى الميني-جوب والمشروب مع نمط عيش
السكان المحليين.. أما عن دور الجاليات العربية ماضيا ومستقبلا فأقول أن ليس (ولن
يكون) لها من تأثير يذكر على المجريات الحاصلة والالية. ولو بالفعل عندنا جاليات
فاعلة ونشيطة لكان أولى بها أن تهتم بتشغيل المقطوعين من جماعتنا إلى جانب اهتمامها
بشؤونهم وشجونهم.
هل يوجد شيء من هذا؟ أبدا. كل ما في الأمر أن هناك حالة تسابق جاليوية على دعوة
القناصل والسفراء العرب إلى ولائم ومحافل وجاهة وكنفشة، يقابلها تهافت حسناواتنا
العربيات على أخذ الصور واللقطات مع الحدشيتي. أحيي بالمناسبة طوني كرم على مجهوده
الفردي بإنشاء محطة ناطقة باللغة العربية على مساحة المدينة وضواحيها. وختام المطاف
إن مسؤولية الجانب العربي هي التخفيف من "ثقله" على المجتمع المضيف كما ومن مظاهره
المثيرة للجدل، إذ عليه أن يفهم ويتفهم الآخر ويراعي شعوره ويأخذ بعين الاعتبار
ضيافته له. إن البلد لا يحتاج إلى حملات توعية، بل إلى بعض تسويات لضوابط وقوانين
تصبح أكثر وضوحا وحسما. يبقى أن التعويل على الجالية يذكرني بعويل الأب سيمون عساف
على العماد عون وقد طيلع منه ماردا (إقرأ "مارد وأقزام" للأب المذكور) فشئت أن
أعقّب بهذه الباقة:
وينك أبونا؟! طلطل وحاول تشوف
عونك المارد شو عمل فينا
دولب قضيّة موقفو المعروف
وبدّو ع دولابو يمشينا
انكنـّك أبونا من غزلتك لـ صوف
عونك، ناطر تدفى.. ومفتكر فينا
نطور... وتبقى أبونا كمـّل المعروف:
لما بتدفى! رجاع دفـّينا.
Top
ميسون فاعوري
رأت السيدة ميسون فاعوري أن الكيبكيين لا يحبوننا لأننا لم نبن جسورا مع مجتمعنا
الجديد، ولأننا نعيش في عالمين ولم نبحث عن كل ما هو جميل ولم نتبن المجتمع الذي
استضافنا. وقالت فاعوري في ردها على أسئلة "المستقبل":
عندما قرأت دعوة المستقبل للإجابة على هذا السؤال قلت لنفسي ولماذا يحبوننا؟
كنت أفكر بكل هذا الكره والحقد والمجازر التي تعم عالمنا العربي والتي تطغى على كل
الأحداث الإيجابية التي قد تنبت وتضيء بعض الأحيان.
أنا أوافق السيد كمال ديب على كل ما قاله في هذا الموضوع وكأنه أجاب عني... ما أريد
قوله هو أنه على كل واحد منا أن يطرح على نفسه السؤال التالي: لماذا أتيت إلى كيبيك؟
غالبيتنا فعلوا المستحيل وانتظروا سنوات ليتمكنوا من الحصول على فيزا الدخول إلى
كندا.. لم يجبرنا أحد على الحضور.. حتى الحروب.. الكثيرون بقوا وتحملوا الحرب ولم
يفكروا بالهجرة.. إرى الكثير من العرب يعيشون في كيبيك وخائفين من المجتمع الكيبيكي
على نسائهم وأولادهم وعلى عاداتهم وتقاليدهم وهويتهم، وكلما ازداد الخوف ازداد
الإنغلاق.. نحن لا يمكننا أن نحب شيئا أو أحدا نخاف مه... الخوف والحب صعب أن
يجتمعا... علينا أن نحاول الإنفتاح قليلا لأن المجتمع ليس بالسوء الذي نظنه... وإلا
لما كانت كندا من أول دول العالم بالعلم والتكنولوجيا والدراسات والأبحاث والإقتصاد...
دعونا نتحرر من بعض أوهامنا وعاداتنا البالية ونستبدلها بعادات إيجابية وجيدة من
المجتمع الكيبيكي... دعونا نحب بعضنا ونتنى الخير لبعضنا حتى نفيض بالحب ويحسه
الآخرون من حولنا وبالتالي يحبوننا.
يجب أن نتحرر من هذا الخوف حتى نعيش براحة واطمئنان... لن افقد أولادي إذا كنت قد
زرعت فيهم القيم التي أريد وبنيت معهم علاقة قائمة على الثقة والتفاهم... لن أفقد
زوجتي إذا كانت لا ترى مني إلا الحب والرعاية والاحترام.. لن افقد هويتي لأنها
بداخلي...
علينا التوقف عن العيش في عالمين.. قدم في كل عالم... وهذا يمنعنا من التوازن ومن
العيش براحة.. لنبحث عن كل ما هو جميل ومفيد في مجتمعنا الجديد ولنحاول تبنيه...
علينا مد الجسور للتواصل مع الآخر لنبني معا هذا المجتمع الذي نعيش فيه.
Top
|