فقد ثقة الحكومة... | ماهر عرار... | مهرجان العالم العربي...
لبنان في أزمة...


مهرجان العالم العربي بمونتريال في دورته السابعة

 

تواكب "فنون" و "المستقبل" عبر سلسلة من المقالات، مهرجان العالم العربي بمونتريال، و الذي سيفتتح دورته السابعة هذه السنة إبتداء من 26 أكتوبر - تشرين الأوّل ، ليستمرّ إلى غاية 12 نوفمبر - تشرين الثّاني. و تتطرّق المقالات إلى موضوع الدورة الحالية للمهرجان، و كذلك إلى محاضرات المفكّرين و عروض الفنّانين المشاركين. يتمحور موضوح الدورة الحالية للمهرجان حول أهم بل و أصعب ما يطرحه علينا عصرنا الحالي ألا و هي فكرة "النبوة". و ذلك من خلال سهرات، و اجتماعات و مناقشات حول موضوع " أنبياء متمرّدون".


"أنبياء متمرّدون"


لماذا هذا موضوع ؟
قد يبدو عنوان الدورة لهذه السنة أكثر جرأة، و لكن ألم يقف الأنبياء ضدّ أنظمة طاغية، و تمرّدوا على طغاة فاسدين و تخلّف ضارب في عمق المجتمع. فالموضوع إذن يحاصرنا بإلحاح...و ذلك لعدّة أسباب:
لأنّ النبوة ليست امتيازاً لمجموعة من الناس أو محدّدة بوقت معيّن. فهي لنا نحن في كلّ زمان و مكان. بل بها تتبلور إنسانيتنا.
لأنّ أنبياء المقدس، الذين أتوا كلّهم من الشرق، يُحنّطون في شخصيات تاريخيّة مظلمة لا حياة فيها، أريد لها أن تُلهِم العنف و الإنتقام، في حين نجد أنّ أنبياء الحداثة الغربيّة بالضرورة، لا يقدّمون إلاّ بروداً و وحشة و أحزاناً.
لأنّنا نريد أن نصيح لنطرد خوفنا من عدم تمكّننا أن يعيش معاً. أو ربما خوفنا من أننّا لم نعد بالفعل معاً. هذا الخوف من رؤية الآخر، الجار القريب، أو العربي المتوحّش كما يصوّر في نشرات الأخبار، يتحوّل إلى صورة مختزلة أو شبح.
لأنّنا وجدنا فترة الخواء و الوحدة و والقنوط هذه، طويلة جدّا، و تغرق فيها حياتنا قاع سحيق.
لأنّ العالم يعيش في حالة افتقار قاسية لفعل وعمل يمكن أن يضيف وحدة وإنسجام إلى الحياة، و لرجال يتحلّون بالقوة، و الموهبة والشجاعة حتى يجعلوننا نؤمن.
لأنّنا نفتقد إنسانيتنا… ولكن نفتقد خصوصاً من يجرأ عل ترميمها!
لأنّنا على يقين أنّ فكرة "العيش معاً" لا يمكن استحضارها ومساءلتها إلا من خلال فكرة "مؤسس لوحدة معلنة". سواء كان نبيّاً من دين معيّن أو فنّان على خشبة مسرح. سواء كان يؤسّس شعباً لقرون أو لساعتين في سهرة ما.
إذا كان النبي، من الناحية الدينية، هو المؤسس للجماعة دينها أو سياستها، فهو من الناحية الحياتية يجمع الناس حول فكرة الجمال والممكن. فكرة "النبي" في هذه الدورة للمهرجان تتبلور في موسيقى و رقص و مسرح و شعر و فكر.
هدفنا يبقى تطبيق وصية واحدة: " خلق الإنسان من جديد…"
أنبياؤنا المتمردون إذن هم هؤلاء الفنّانين الذين يقاومون انهيار الإنسان يحاولون أن يضفوا دفئاً و حرارة وحياة إلى عالمنا المنكسر والمهزوم. صانعو أحلام و مبدعو معاني، إنّهم رجال و نساء لا زالوا قادرين على خلق ذلك "النحن" و الذي لا يرتبط بزمان أو مكان ب"الهنا" أو " الآن".. إنّهم، يدعون الجميع إلى الإستمتاع معا بالحياة، و منح الدفئ لعالم بارد بنبؤات فرديّة. لفترة قصيرة ، وسط غرفة عرض مظلمة، تتكوّن مجموعة من الناس على أسس جديدة... لتتغدّى رغبة الأزل من الآخر.
أنبياء متمرّدون، لكي يكون اللقاء ممكناً دائماً!


أنبياء القرن الواحد و العشرين
فلاسفة، فنّانون أم رجال دين؟

من أهم لقاءات هذه الدورة السابعة للمهرجان، افتتاح صالون الثقافة، في 28 أوكتوبر/تشرين الأوّل 2006، بندوة حول موضوع أنبياء القرن الواحد و العشرين: هل هم فلاسفة، فنّانون أم رجال دين؟. هنا أيضا لا بدّ لنا من وقفة تأمّل في موضوع الندوة.
فالتاريخ يسجّل أنّه كان هناك وقت للأنبياء. هؤلاء الأنبياء اقتسموا ذاكرة واحدة، ألا و هي المقدّس...لقد أتوا ، قالوا كلمتهم و انصرفوا … ليجعلوا الإنسانية أقلّ إحباطاً و أكثر سعادة. سلّموا رسالة المقدّسة، إلى الإنسانية، و لم يعد لديهم ما يقولون. و لكن هل تلك هي الحقيقة؟
في وقتهم كان الأنبياء يمثّلون المجتمع و يتكلّمون باسمه. و كانوا أيضاً قادرين على الصراخ، و معارضين للظلم. و النبيّ كرمز تاريخيّ للإنسان الثائر ضدّ الوضع السائد بكلّ معتقداته، كان زفرة للحرّيّة، صيحة ضدّ الظلم، و لوناً للثورة… و ذلك لإحياء ما تبقّى في العالم من إنسانية.
تحتلّ ظاهرة النبوة مكاناً مهمّاً في مناقشات الدوائر الفكريّة المعاصرة. و النقاش يدور حول مهمّة النبيّ و مكانته ككائن خارق للعادة في الحياة و بين الناس. و كذلك حول صدقية رسالته، و تحقيقه للمعجزات. إلاّ أنّه إذا تجاوزنا مثل هكذا محاولات لمعرفة هل أنّ النبيّ كان ملهماً ويتصرّف بوحي من الله، فلا بدّ لنا من الإعتراف أنّ ظاهرة النبوة انتجت فكراً متمرّداَ و دعوة إلى العصيان و رفض الإضطهاد و لكن أيضاً و لا سيّما بعثاً للأمل.
و يستأنف مهرجان العالم العربي في مونريال هذا الناقش، حول طاولة مستديرة تجمع كلاّ من المفكّر محمّد أركون و الكاتب المسرحي الجزائريّ سليمان بنعيسى، و الأونتروبولوجي الكيبيكي سيرج بوشار. و سيناقش الضيوف فكرة النبيّ الموحِّد محاولين الإجابة عن عدّة أسئلة: هل مثلاً سقطت فكرة النبي هذه بالتقادم؟ و إذا كانت الإجابة بالنفي فأيّ نبيّ يصبح ضرورياً للقرن الواحد و العشرين؟ قادراً على إعادة الأمل في الحياة، بإصلاح الإنسانية و إرجاع البسمة إليها ؟
ضيوف المهرجان في هذا النقاش ذوو شهرة عالمية في ميادينهم: المفكر الجزائري محمّد أركون ، أستاذ تاريخ الفكر الإسلاميّ في جامعة السوربون بباريس، من أصل جزائريّ. و له العديد من الأعمال : "نزعة الانسنة في الفكر العربي، جيل مسكويه والتوحيدي"، "الفكر الاصولي واستحالة التأصيل نحو تاريخ اخر للفكر الاسلامي" و "الفكر الاسلامي: نقد واجتهاد".
سليمان بنعيسى، كاتب و ممثّل مسرحي من أصل جزائريّ. و الذي يعرف نجاحاً منقطع النظير، منذ انتقاله إلى فرنسا في 1993، بفضل مسرحيات مثل : "ما وراء الحجاب"، " أبناء المرارة" و "أنبياء بدون إلاه".
سيرج بوشار، باحث و محاضر، و أنثروبولوجيّ كيبيكي معروف للجمهور بفضل كتبه الذائعة الصيت: ك "في نهاية الذكر، في التغليف و أمكنة أخرى عادية".
من خلال هذا النقاش يحاول مهرجان العالم العربي بمونتريال التفكير مع الجمهور في "وظيفة النبيّ" في القرن الواحد و العشرين. و هل إذا كان موجوداً بيننا هل سيكون مقبولاً أم سيرفض كما رُفض أسلافه. فتاريخ الأديان يعلّمنا أنّ موسى رفضه أهله و نفى نفسه في الصحراء. و مع ذلك فهو الذي اختاره الربّ أن يقف ضدّ فرعون و يعارضه ويثور عليه ، لينجز المعجزات و يحرّر الشعب اليهودي.
و أيضا رفض يسوع المسيح من طرف شعبه، و لم يقبل هذا الأخير رسالته. خُدع من طرف أحد رسله، و أنكره أقرب المقرّبين منه. و تألّم ابن الإنسان وحيداً في طريقه إلى الجلجلة، لتخليص الإنسان من خطاياه.
كما ناضل النبي محمّد (صلعم) ضدّ قبيلته الّتي رفضته في السنوات الأولى، قبل أن يؤسّس حضارة كاملة.
و السؤال الذي يهمّنا هو هل سيكون نبيّ القرن الواحد و العشرين فيلسوفاً أو عالماً، فنّانا أو رجل دين؟
فالفيلسوف أو العالم هو بالضرورة الذي يعرف. بهذا يمرّ طريق الحقيقة عبر المعرفة. الفيلسوف أو العالم يحاول السيطرة على قوانين الكون بواسطة معرفتة للظواهر، فيتنبأ و يصنع المعجزات. ألا يماثل هذا وظيفة الأنبياء عندما كانوا ينطقون باسم الحقيقة العليا. إذن إذا كان هناك من خطاب للحقيقة فإنّ العالم هو الّذي يمتلكه في عصرنا الحالي.
علاوة على ذلك، و من وجهة النظر نفسها، فإنّ الفنّ قادر هو أيضاً على قول الحقيقة. فهو أكبر شاهد على الطبيعة البشرية، على أفراحها و أحزانها، قوّتها و ضعفها. لهذا فإنّ الفنّان غالبا ما يكون نبيّا لهذا العصر، و مرشداً لإنسانيّة عمياء و متعطّشة للقوة و السلطان. فالفنّان قادر على أن يتحدّث عن الدين دون الكلام صراحة عن الله و الأنبياء. سيّما و قد تحرّر من فكرة التمثيل الرمزيّ. و هو يعبّر بوسائل مقدّسة أخرى؛ بالكلمة و الحركة و اللحن. و يفرض عليه دوره كفنّان البحث عن الجمال بواسطة الفنّ. أليس هذا من بين أدوار النبيّ في كلّ زمان و مكان؟
هذا النقاش الذي يحرص المهرجان على تقديمه في الوقت الراهن يحاول البحث في الدور المنتظر ل"الأنبياء الجدد" من أجل تعبيد الطريق للإنسانيّة نحو الكمال. و هذا لن يتم إلاّ من خلال البحث في جدور آلام الإنسان و أسبابها العميقة...


بقلم: محمّد أوريا - مونتريال