|
المطران جورج ابو زخم لـ
”المستقبل“
تهجير المسيحيين والدور المسيحي في لبنان
يتعرضان لمؤامرتين سياسيتين والدين بعيد عنهما
أجرى
الحوار: د. حبيب زعرور
- سيادة المطران، اذا أردنا أن نعرف بالمطران جورج أبو زخم،
فماذا نقول؟
غادر جريس أبو زخم، من مواليد 1949، موقع رأسه بلدة عرنة
جنوب دمشق في سورية، عام
1962 الى دير البلمند في لبنان لاتمام دراسته الثانوية والجامعية، فتخرج عام 1974
من معهد القديس يوحنا الدمشقي لللاهوت، وتابع دراسته في جامعة تسالونيك حيث حصل على
درجة الماجستير بعلم الللاهوت عام 1977. تدرج من رتبة شماس فكاهن فأرشمندريت ثم
اسقفاً مساعداً فوكيلاً للبطريرك، حتى
العام 1999 عندما انتخبه السينودس المقدس
مطراناً لمدينة حمص وتوابعها. وهو حالياً، منذ العام 2000، رئيساً لمحكمة الاستئناف
الروحية في سورية. ظل طيلة سبع سنوات ممثلاً للكنيسة الانطاكية في اللجنة التنفيذية
لمجلس الكنائس العالمي.
يتابع المطران أبو زخم من موقعه في مدينة حمص السورية نشاطاً غير عادي من أجل تطوير
الكنيسة وتوسيع الحوار مع الغير سيما الكنائس المسيحية الأخرى في المنطقة والطوائف
الدينية المختلفة. كما يسعى الى توسيع بناء الكنائس وتشييد بيوت الله في الضواحي
المنتشرة حول المدينة وفي الأرياف.
- ما هو الغرض من جولتكم الأمريكية وزيارتكم لمونتريال ؟ وهل
التقيتم ممثلين أو رؤساء طوائف أخرى؟
كنت في زيارة عائلية خاصة الى شقيقي في الولايات المتحدة، حيث قابلت المطران فيليب
صليبا الذي أعلمته بنيتي زيارة مونتريال لأحل ضيفاً في دار المرحوم موسى أبو عسلة،
فشرفني مشكوراً بتكليفي بحضور مؤتمر أبرشية شمال أميركا المنعقد هناك، وكان
لمشاركتي هذه أكبر الأثر في التعرف على الأجواء الروحية والكنسية لرعايا الكنيسة
الأرثوذكسية في هذه المنطقة من العالم، وقد أتاحت لي فرصة الاتصال بعدد كبير من
رجال الكنيسة الأرثوذكسية من أنحاء المدن المختلفة في أميركا وكندا، وعدد من رجال
الدين من طوائف أخرى. كما سعدت كثيراً بلقاء الأقارب والأهل وأبناء الوطن الذين
أبعدتهم الغربة القاسية.
- أنتم قادمون من الشرق وتحديداً من سورية، كيف تلخصون
الأوضاع العامة هناك؟
الأوضاع السياسية غير مطمئنة، بسبب الضغوط الخارجية وما يجري في البلدان المحيطة
بسورية. أما الوضع الداخلي، فقد شكل النزوح السكاني الكثيف للعراقيين بعض المشاكل
المعيشية وأدى الى رفع الأسعار بشكل كبير، وتسعى الحكومة الى ايجاد الحلول المناسبة
لهذا الوضع الذي سيهدد، اذا ما تفاقم، المجتمع السوري بأكمله.
- وماذا تحديداً عن أوضاع المسيحيين، سيما اؤلائك المهجرين
قسراً من العراق؟
مسيحيو سورية، بالرغم من كل التطورات الحاصلة في الدول المجاورة، ما يزالون بألف
خير. العلاقة بين أفراد المجتمع ما تزال تتمتع بقدر كبير من الوعي والمسؤولية. أما
انعكاس أوضاع المسيحيين في دول أخرى، فهو جدير بالاهتمام في مسعى لايجاد حلول سريعة
للنزوح العراقي الكبير، والذي يقدره الخبراء بالملايين من البشر انتشروا في بلدان
عديدة حول العالم والعدد الكبير منهم في سورية. مسيحيو العراق تأثروا كثيراً
بالتهديدات التي تعرضوا لها، ولكن الكنيسة وبعض السياسيين العقلاء يسعون بكل جهودهم
لوقف هذا النزوح ومحاولة ايجاد الحد الأدنى من الأمان للعائلات المسيحية كي لا
تغادر وطنها. انها مؤامرة سياسية كبرى، الدين بعيد عنها.
- هل تعتقدون أن الدور المسيحي على الساحة السياسية
اللبنانية، ما يزال فاعلاً ومؤثراً، كما كان على الدوام؟
الوجود المسيحي في لبنان يتعرض لمؤامرة سياسية كبرى، أركانها ومنفذوها كثر، بحيث
باتت خيوطها متشابكة وشائكة يصعب التكهن بنتائجها. إن الخطر الحقيقي على مسيحيي
لبنان هو الاختلاف المسيحي المسيحي الذي بات يضعف أكثر وأكثر من مكانة المسيحيين
ومن فعاليتهم وتأثيرهم على القرار السياسي النافذ هناك. لا يمكنني أن أقول أن هذا
الدور قد زال، لا سمح الله، ولكنه قد ضعف. وما زال بامكان الصوت المسيحي أن يكون
فاعلاً ومؤثراً، حسب درجة تفاهم المسيحيين فيما بينهم على القواسم المشتركة التي
تحافظ على توازنات المجتمع اللبناني التي ظلت قائمة ومتينة منذ استقلال لبنان. كما
أن تعاون كافة الكنائس اللبنانية أمر مطلوب وهام لضمان الحقوق المواطنية في هذا
البلد.
- من نعم الله على سورية، التعايش بين مختلف الطوائف
والمذاهب والأديان. هل لكم أن تحدثوننا عن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في بلاد
الشام؟
الحديث عن هذه العلاقة مؤلم ومحزن، لآن تلك العلاقة لم تتأثر يوماً كما هو الحال
اليوم، والسبب في ذلك ليس بين السوريين أنفسهم، بل بسبب التدخلات الخارجية، لا سيما
ما يجري في العراق، حيث انعكست نتائج الهجرة العراقية التي تدفقت على سورية الى ما
يشبه الكارثة، وهي تكاد تسيئ الى العلاقة التي ظلت قوية طويلاً بين مسيحيي ومسلمي
سورية. وما نزال نأمل خيراً بحكمة أولياء الأمر للحد من الآثار السلبية لأوضاع
العراقيين على لحمة المجتمع السوري.
العلاقة المسيحة الاسلامية في سورية ذات بعدين اجتماعي وسياسي. وإن كانت هذه
العلاقة متأثرة هذه الأيام بالبعد السياسي، الا أن دور الكنيسة المسيحية دور ثابت
لا تعديل فيه وهو يقوم على التآخي والتقاء المصالح.
- وماذا عن مستقبل المسيحية في الشرق ونحن نسمع الاعلام في
كل مكان يتحدث عن مؤامرة تهجير؟
لا يمكن انكار مؤامرة التهجير وأبعادها ونتائجها وكذلك العناصر المتداخلة لها
والجهات المشاركة بها. وربما كان واقع الحال في العراق وغزة أكبر بكثير مما تتناقله
وسائل الاعلام. أما عن مستقبل المسيحية في الشرق فأنا متفائل باستمرار الوجود
المسيحي بقوة، لأن أرض الشرق هي حيث ولد المسيح وأنزلت الهدايات على الرسل، ومنه
انتشر الدين المسيحي. لذلك فمهما كثر الحديث عن مؤامرات لتهجير المسيحيين، تبقى قوة
ووحدة الكنيسة الشرقية أساساً لضمان مستقبل الدين المسيحي في هذه المنطقة من العالم
وفي العالم بأسره. وتتوجه الكنيسة دائماً بالدعوات الى الشباب بعدم الهجرة، محاولة
قدر الامكان توفير السبل الكفيلة لهم بالبقاء والعيش في أرض الأباء والأجداد.
- انتهى منذ أيام المؤتمر الارثوذكسي العام الـثامن
والأربعون لقارة أميركا الشمالية، هل لكم ان تعطونا لمحة عن أهداف هذا المؤتمر
وتاريخه وعن المشاركين فيه؟ وهل خلص الى مقررات محددة؟
المؤتمر الأرثوذكسي العام لأبرشية أميركا الشمالية للروم الأرثوذكس، يعقد مرة كل
سنتين في احدى مدن القارة. وكانت دورة انعقاده هذه السنة في مدينة مونتريال الكندية.
وتبين لي من فعاليات المؤتمر أن هذه الأبرشية التي تضم 260 رعية ونحو 70 ارسالية
تبشيرية، هي من أنشط الأبرشيات الأرثوذكسية في العالم، خاصة مع الأعداد الكبيرة من
مهاجري الشرق في هذه المنطقة. وكان موضوع المؤتمر " وحدة الأبرشية من أجل وحدة
الايمان" وقد ركزت المناقشات التي دارت على أهمية الحفاظ على العلاقة الروحية في
الأبرشية بالوحدة والترابط بين أبنائها، لتكون شاهداً على حقيقة المسيح في المجتمع
الأميركي. ومقررات المؤتمر جاءت لتخدم هذا التوجه ولتساعد على تحقيق الوحدة
الحقيقية، وحدة الايمان.
- سؤال يشغل بال الكثيرين حول علاقة الكنيسة الأم في الشرق
بالكنائس الشرقية في المغتربات والمهاجر. ما هي حقيقة هذه العلاقة؟
هذه العلاقة قوية كما كانت منذ البدء، والمؤتمر الذي نتحدث عنه هو خير مثال على
الوحدة والتلاحم، وعلى العلاقة الوثيقة بين الكرسي الأنطاكي الأرثوذكسي في دمشق
وأبرشية أميركا الشمالية. العلاقة جيدة ولا يوجد ما يشوبها لا سمح الله.
- هل ترون أي دور يمكن للمسيحي المشرقي أن يلعبه في محيط
مجتمعه الجديد في بلاد الاغتراب؟
للمسيحي، شرقياً أو غربياً، وأينما كان مكان تواجده أو نشأته، دور هام يقوم به في
مجتمعه وبيئته، وهو نشر تعاليم المسيح الداعية الى المحبة والتسامح ونكران الذات
والتضحية، وكذلك اعطاء المثل الصالح في أعمال الخير والتقوى. ونظراً لتمسك مسيحيي
الشرق بايمانهم القوى وعقيدتهم المسيحية، فان وجودهم في مجتمع أخذت فيه الروابط
الأسرية والواجبات الدينية بالتلاشي أو التناقص، يفرض عليهم واجباً محتماً في أن
يكونوا القدوة الصالحة التي تساعد باقي أفراد المجتمع على العودة الى قواعد الأخلاق
وأصول الدين والمساهمة بالتالي في ترميم ما تهدم من قيم وأخلاق ومثل في المجتمعات
الغربية. |